العراق يتقرّب من تركيا: تطويق للنفوذ الإيراني أم بحث عن توازن إقليمي؟

المشرق-العربي 13-02-2026 | 06:14

العراق يتقرّب من تركيا: تطويق للنفوذ الإيراني أم بحث عن توازن إقليمي؟

تتحدث قراءات سياسية عن تراجع الاحتكار التقليدي للنفوذ الإيراني داخل العراق، بالتزامن مع تنامي خطاب "البراغماتية الوطنية".
العراق يتقرّب من تركيا: تطويق للنفوذ الإيراني أم بحث عن توازن إقليمي؟
تظاهرة في بغداد دعماً للنظام الإيراني والمرشد الأعلى، بوجه التهديدات بعمل عسكري ضد إيران، 16 كانون الثاني 2026. (أ ف ب)
Smaller Bigger

يبدو أن العراق يقف عند عتبة إعادة تعريف موقعه الجيوسياسي، مبتعداً تدريجياً عن دائرة النفوذ الأحادي التي طبعت سياسته الخارجية لسنوات، ومتجهاً نحو صيغة أكثر توازناً تقوم على تنويع الشراكات الاستراتيجية. فخلال عامي 2025 و2026، برزت مؤشرات واضحة على تعميق التقارب مع تركيا في ملفات سيادية وحيوية، مقابل حديث متزايد عن تراجع نسبي لهيمنة النفوذ الإيراني، في تحوّل يعكس صعود مقاربة عراقية أكثر براغماتية تبحث عن المصالح وتتجاوز الاصطفافات التقليدية.
ويتصدر مشروع "طريق التنمية" هذا التحول بوصفه ركيزة اقتصادية وجيوسياسية كبرى، إذ يربط ميناء الفاو بالحدود التركية وصولاً إلى الأسواق الأوروبية، واضعاً العراق أمام فرصة تاريخية للتحول إلى مركز إقليمي للطاقة واللوجستيات.

 

بالتوازي، شهدت العلاقات العراقية – التركية في أواخر عام 2025 نقلة نوعية تمثلت في توسيع التعاون الأمني وتفعيل تفاهمات مشتركة لمواجهة التحديات الحدودية، ما عزز حضور أنقرة لاعباً مؤثراً في معادلة الاستقرار في المناطق الشمالية والغربية. كما جاء بروتوكول التعاون المائي وآلياته التنفيذية ليعكس إدراك بغداد لحساسية أزمة المياه، ورغبتها في البحث عن حلول عملية عبر شراكات مباشرة، في ظل تصاعد المخاوف المرتبطة بالجفاف وتراجع الموارد.

 

في المقابل، تتحدث قراءات سياسية عن تراجع الاحتكار التقليدي للنفوذ الإيراني داخل العراق، بالتزامن مع تنامي خطاب "البراغماتية الوطنية".

خطاب التوازن: شراكات لا محاور

ويرى القيادي في "ائتلاف الإعمار والتنمية" خالد المرسومي أن العراق نجح خلال السنوات الثلاث الأخيرة في تحقيق مستويات متقدمة من التوازن في علاقاته الإقليمية والدولية، عبر تبنّي مقاربة تضع المصلحة الوطنية في صدارة أي تواصل خارجي، بعيداً عن حسابات الأفراد أو الجماعات.

 

ويؤكد المرسومي، في حديثه مع "النهار"، أن "تركيا، بوصفها دولة إقليمية فاعلة، لا تختلف من حيث المبدأ عن بقية شركاء العراق، إذ تجمعها ببغداد مصالح مشتركة قائمة على رؤية مستقبلية تستهدف ترسيخ الاستقرار ودفع عجلة التنمية الاقتصادية المستدامة"، مضيفاً أن "تحييد العراق عن مسارات الصراع والمواجهة بات ضرورة ملحّة لحماية مستقبل البلاد وسط تحديات سياسية واقتصادية واجتماعية معقدة، تتطلب من مؤسسات الدولة العمل ضمن هدف مركزي يتمثل في تعزيز الأمن والاستقرار".

 

علما العراق وتراكيا. (اكس)
علما العراق وتراكيا. (اكس)

 

ضغط دولي ورسائل متقاطعة

هذا التحوّل لا يجري بمعزل عن مواقف دولية لافتة؛ فقد شددت السفارة الأميركية في بغداد على أن "الحكومة العراقية يجب أن تبقى مستقلة بالكامل عن القرار الإيراني"، مؤكدة عزم واشنطن استخدام أدواتها لمواجهة الأنشطة التي تهدد استقرار العراق.

 

في المقابل، سعت أنقرة إلى احتواء جدل أثارته تصريحات لوزير الخارجية التركي هاكان فيدان، بعدما أكدت وزارة الخارجية التركية دعمها وحدة أراضي العراق وسيادته. وكان فيدان قد تساءل عن ضرورة اتخاذ موقف واضح إزاء وجود "حزب العمال الكردستاني" الذي تصنفه بلاده "تنظيماً إرهابياً"، في الأراضي العراقية، محذراً من أن السيادة "لا تتجزأ"، وأن "الدول التي لا تحسم ملف السلاح والقرار على أرضها قد تتحول إلى ساحات لتصفية الحسابات".

 

الرد العراقي جاء سريعاً، إذ أكدت وزارة الخارجية رفضها أي تدخل في الشأن الداخلي، في محاولة للحفاظ على معادلة دقيقة تجمع بين الانفتاح على الشراكات ورفض المساس بالسيادة.

بين الفرص والمخاوف

ويرى الخبير الأمني والعسكري مخلد حازم، في تصريح لـ"النهار"، أن "العراق بدأ يخطو خطوات متقدمة ليكون لاعباً فاعلاً ومؤثراً في محيطه الإقليمي، إلا أن هذا التقدم لا يزال يواجه تحديات أمنية وسيادية، لا سيما في إدارة العلاقة مع تركيا، حيث تتقاطع المصالح مع ملفات حساسة مثل الحدود والتنظيمات المسلحة والمياه".

 

فيما يقدم الأكاديمي والباحث غالب الدعمي قراءة أكثر حذراً، مشيراً إلى أن هناك "عملية تطويق" للنفوذ الإيراني داخل العراق، معتبراً أن "أنقرة تمثّل جزءاً من مشروع أوسع لإعادة ترتيب التوازنات في المنطقة".

 

ويحذر الدعمي، في حديثه مع "النهار"، من استبدال تأثير بآخر، قائلاً: "لا نريد أن نخرج من تأثير إيراني إلى تأثير تركي". ويشير إلى أن التحدي الحقيقي أمام القيادة العراقية يتمثل في جعل بغداد "مؤثرة وفاعلة لا تابعة".

 

ويضيف أن تركيا "تمتلك ثقلاً سياسياً داخل بعض الأوساط العراقية، ما يفرض على صانع القرار إدارة العلاقة بحذر، خصوصاً في ظل مخاوف من انتقال نماذج سياسية أو إدارية قد لا تنسجم مع خصوصية النظام العراقي".

 

ويذهب المحلل السياسي التركي مهند أوغلو إلى أن "التغيير قادم للعراق"، وربما يُفرض بالقوة، في طرح يعكس حجم التنافس الإقليمي على مستقبل البلاد، وإن كان لا يمثل بالضرورة موقفاً رسمياً.
بالنتيجة، لا يبدو أن العراق بصدد مغادرة علاقة تاريخية مع إيران بقدر ما يعمل على إعادة ضبطها، بالتوازي مع فتح قنوات أوسع مع تركيا ودول أخرى. فبغداد تحاول تقديم نفسها كـ"جسر" يربط الخليج بأوروبا عبر البوابة التركية، مع تركيز متزايد على ملفات السيادة - الماء والاقتصاد والنقل - ضمن محور يتشكل تدريجياً بين بغداد وأنقرة.

 

غير أن نجاح هذا المسار يبقى رهناً بقدرة العراق على إدارة التوازنات من دون الانجرار إلى استقطابات حادة، وتحويل موقعه من ساحة للتنافس الإقليمي إلى لاعب يشارك في رسم قواعده.

 

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

المشرق-العربي 2/12/2026 3:23:00 AM
أشار التقرير إلى أن هذه المحاولات تشكّل دليلاً إضافياً على أن التنظيم لا يزال مصمّماً على تقويض الحكومة السورية الجديدة
شمال إفريقيا 2/10/2026 11:07:00 PM
يقول رئيس الهيئة العامة السورية للاجئين في مصر تيسير النجار، في حديث لـ"النهار": "أفادت التقارير التي بلغتنا بأن عمليات الترحيل تحدث بالفعل، ونسمع من إخوة لنا عمّا يحصل".
صحة وعلوم 2/11/2026 6:16:00 PM
تتكرر في لبنان والعالم الحوادث التي يتوقف فيها القلب فجأة ومن دون علامات سابقة، سواء بين المراهقين والشباب أو حتى بين الأطفال، فيما كانت هذه الفئات العمرية تُعدّ  محميّة من هذا النوع من المشكلات باعتبارها تتمتع بصحة أفضل.
دوليات 2/12/2026 11:14:00 PM
امرأة خمسينية تعترف بوضع رضيعين في مجمّد منزلها شرقي فرنسا… والسلطات تفتح تحقيقاً بتهمة قتل قاصرين.