الأسد بين "كاندي كراش" ولونا الشبل... تفاصيل جديدة عن السقوط من داخل القصر
في تحقيق توثيقي نشرته مجلّة "ذا أتلانتك"، برزت تفاصيل جديدة عن لحظات هروب الرئيس المخلوع بشار الأسد من سوريا إلى روسيا، بعد أكثر من سنة على سقوط نظامه وتسلّم أحمد الشرع القيادة الجديدة.
"سابقة"
وتذكر "ذا أتلانتك" أن "الأسد، الذي أشرف على تعذيب وقتل مئات الآلاف من السوريين خلال ربع قرن في السلطة، قد يكون حقّق سابقة جديدة في سجل الطغيان. فمع اقتراب قوّات المعارضة من دمشق في 7 كانون الأول/ديسمبر 2024، طمأن الأسد مساعديه ومرؤوسيه بأن النصر بات قريباً، ثم فرّ ليلاً على متن طائرة روسية، من دون أن يُبلغ تقريباً أحداً. صدر في تلك الليلة نفسها بيان يؤكد أن الأسد موجود في القصر ويؤدي واجباته الدستورية. وبعض أقرب مساعديه انطلت عليهم الخديعة، واضطروا إلى الفرار من البلاد بأي وسيلة، بينما كانت مجموعات المعارضة تضيء السماء بإطلاق النار احتفالاً".
ويرد في التحقيق أيضاً: "كانت خيانة الأسد فاضحة إلى حدّ أن كثيرين وجدوا صعوبة في تصديقها في البداية. وحين أصبحت الحقائق غير قابلة للإنكار، تحوّل ولاء آلاف الأشخاص بسرعة إلى غضب. كثيرون أقسموا أنهم كانوا يكرهونه سرّاً دائماً. هناك تعبير عربي يصف هذا النوع من الذاكرة الشعبية: إذا سقطت البقرة كثر الجزارون. لكن المشاعر كانت حقيقية لدى كثيرين، وكذلك الاعتقاد بأن الأسد وحده مسؤول عمّا آلت إليه الحال".

"مههوس الجنس"
في تفاصيل التحقيق، يقول معدّه روبرت ف. وورث: "على مدى العام الماضي، تحدثتُ مع عشرات من رجال البلاط والضباط الذين كانوا يعيشون داخل قصر دمشق، وهم يروون قصة مختلفة. كثيرون وصفوا حاكماً منفصلاً عن الواقع، مهووساً بالجنس وألعاب الفيديو، كان في مقدوره - على الأرجح - إنقاذ نظامه في أي وقت خلال السنوات القليلة الماضية، لولا عناده وغروره. ووفق هذه الرواية، لم تكن الجغرافيا السياسية هي التي أسقطت النظام. لم تكن أي دولة في المنطقة تريد سقوط الأسد، بل عرضت عليه عدة دول طوق نجاة. ولو أمسك بها، لكان جالساً في القصر اليوم. حتى في الأيام الأخيرة، كان وزراء خارجية يتّصلون به ويعرضون صفقات. لكنّه لم يُجب. ويبدو أنه كان متجهّماً، مستاء من مجرد الإيحاء بأنه قد يُطلب منه التخلّي عن العرش".
ويتابع: "ربّما يعتقد جميع المستبدين أنّهم محصنون، لكن كان لدى الأسد سبب خاص لثقته الخاطئة: لقد نجا سابقاً من تجربة موت محقّقة. وصلت انتفاضات الربيع العربي إلى سوريا عام 2011 وتحوّلت إلى حرب أهلية. حمل جزء كبير من الشعب السلاح ضد حاكمه، ولم يكن أحد تقريباً يتوقّع بقاء الأسد".
ويردف: "قال الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما عام 2012 إنّه لا شك لدي في أن نظام الأسد سيكتشف قريباً أن قوى التغيير لا يمكن عكسها. كان أوباما واثقاً إلى درجة أن وزارة خارجيته موّلت مشروع اليوم التالي استعداداً لسوريا الجديدة".
ويقول وورث في هذا السياق: "طلب مني محرّرو نيويورك تايمز كتابة نعي لسلالة الأسد. ما زلت أحتفظ به في ملفاتي. ربّما كان ذلك النعي سينشر عام 2015، لولا تدخل مفاجئ اسمه فلاديمير بوتين. التدخّل الروسي الذي بدأ في أيلول/سبتمبر من ذلك العام غيّر كل شيء".
ويشير إلى أنّه "بحلول أواخر 2017، كان الأسد قد فاز بالحرب عملياً. سيطر النظام على المدن الكبرى، وحوصرت المعارضة في محافظة إدلب، حيث برز الشرع المعروف حينها بأبي محمد الجولاني. ذلك الانتصار الخادع، كما قال لي كثير من السوريين، كان اللحظة التي بدأ فيها كل شيء ينهار. لم يدرك الأسد أن انتصاره كان فارغاً. مساحات واسعة من البلاد كانت ركاماً. الاقتصاد تقلّص إلى حد شبه العدم، والعقوبات الأميركية والأوروبية زادت الخنق. السيادة السورية رُهنت جزئياً لروسيا وإيران، اللتين بدأتا تضغطان على دمشق لاسترداد كلفة استثمارهما في الحرب. أنصار الأسد، بعد سنوات من المعاناة، لم يعودوا مستعدّين للصبر. ومع انتهاء القتال، بدأوا يتوقعون انفراجاً ما".
"فيل ميت في الغرفة"
في تفاصيل التحقيق التي تتواصل، قال خالد الأحمد، أحد رجال الدائرة الضيقة، إن الأسد غير قابل للتغيير بقوله: "قرّرت أنه فيل ميت في الغرفة". في تلك الفترة تقريباً، توصّل مسؤول شاب في جهاز الأمن القومي الإسرائيلي إلى الاستنتاج نفسه، وبدأ يحثّ رؤساءه على تنظيم انقلاب داخلي ضد الأسد. لطالما نظرت إسرائيل إلى الأسد بوصفه عدواً يمكن التعايش معه. يردّد الشعارات المعتادة عن العدو الصهيوني لكنّه يحافظ على هدوء الحدود بين البلدين. غير أن هذا المسؤول الإسرائيلي، الذي لم يعد في الخدمة الحكومية وتحدّث إليّ بشرط عدم كشف هويته، قال إنّه بدأ عام 2019 يخشى أن يكون الأسد ضعيفاً إلى حد يجعله غير موثوق. وأضاف: كان النظام قشرة فارغة". رفضت القيادة الإسرائيلية فكرة الانقلاب. فقد طُرحت مراراً عبر السنوات في تل أبيب وواشنطن، لكنّها لم تتقدّم كثيراً، ربّما لأن حافظ الأسد كان قد بنى نظاماً يراقب ويُحيّد أي منافس محتمل".
ويسرد التحقيق: "قال المسؤول الإسرائيلي السابق إن الجميع في المنطقة كانوا مرتاحين لبقائه ضعيفاً، ولا يشكّل تهديداً لأحد. لكن الأسد على ما يبدو خلط بين هذا التوافق الضمني وبين القوّة الحقيقية. وقال لي مسؤول سياسي سابق في حزب الله كان كثير الوجود في سوريا خلال تلك السنوات (طالباً عدم ذكر اسمه خوفاً من العواقب): كان بشار يعيش في عالم خيالي: الإيرانيون بحاجة إليّ، الروس لا خيار لهم، أنا الملك".
ويتابع: "بدأ حلفاؤه بالتذمّر، لكن الأسد لم يكن يصغي. في عام 2019، بحسب المسؤول نفسه، بدأ الروس والإيرانيون يضغطون عليه لإجراء إصلاحات رمزية في معظمها، تهدف إلى تهدئة الدول الغربية وتخفيف العزلة الاقتصادية عن سوريا. لكن الأسد راوغ وكذب. ومن أكثر الأمثلة لافتة على تعنّت الأسد ما جرى خلال الولاية الأولى لدونالد ترامب. ففي عام 2020، أرسلت واشنطن مسؤولين هما روجر كارستنز وكاش باتيل إلى لبنان لمحاولة تحديد مكان الصحافي الأميركي أوستن تايس، الذي اختفى في سوريا عام 2012 ويُعتقد أنه محتجز لدى النظام. نقل عباس إبراهيم، المدير العام للأمن العام اللبناني آنذاك، الرجلين إلى دمشق، حيث التقيا علي مملوك، أحد كبار المسؤولين الأمنيين وأكثرهم رهبة".
في هذا الموضوع، وفق التحقيق، "طرح الأميركيون قضية تايس، فقال كارستنز إن مملوك ردّ بأن على الولايات المتحدة رفع العقوبات وسحب قوّاتها من سوريا قبل بحث أي طلب أميركي. أما إبراهيم، الذي شارك في الاجتماع ويتذكر التفاصيل بشكل مختلف قليلاً، فقال إنّه اعتبر كلام مملوك مناورة افتتاحية، ولم يتوقّع أبداً أن يقدّم الأميركيون تنازلات بهذا الحجم. لكن المفاجأة كانت أن واشنطن أبدت استعدادها لإبرام صفقة مقابل إثبات أن تايس لا يزال حيّاً. سافر إبراهيم إلى واشنطن، حيث أُبلغ بأن ترامب وافق على هذا الموقف. إلا أن الصدمة الأكبر جاءت من ردّ الأسد: لا صفقة، ولا محادثات إضافية. وعندما سأل إبراهيم عن السبب، قال له مملوك لأن ترامب وصف الأسد بالحيوان قبل سنوات. قال إبراهيم لنظيره السوري إن هذا جنون. حتى لو كان تايس قد مات، فإن الأميركيين سيُغلقون الملف إذا عرفوا ما حدث له. وأضاف: تلقيت اتصالًا من بومبيو قال فيه: أنا مستعد أن أطير بطائرة خاصة إلى سوريا، وأصافح أي شخص".
يضيف الكاتب في التحقيق: "كانت تلك فرصة ذهبية للأسد. كان بإمكانه لقاء وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو، والقول ببساطة إن النظام لا يعرف ما حدث لتايس. مجرّد الاجتماع كان سيمنحه شرعية جديدة ويفتح الباب أمام دول أخرى للتقارب معه. جدّدت إدارة بايدن العرض عام 2023، وأرسلت وفداً رفيع المستوى إلى عُمان للقاء مسؤولين سوريين بشأن تايس. هذه المرّة، تصرّف الأسد بازدراء، بحسب إبراهيم، ورفض حتى إرسال مسؤول كبير، مكتفياً بسفير سابق أُعطي تعليمات صارمة بعدم التطرّق إلى قضية تايس. إذاً كان سقوط الأسد، بسبب غروره وقصر نظره، أقل غرابة اليوم مما يبدو، فربما الأغرب هو أنّه صمد كل هذا الوقت. والسبب يعود إلى والده، الذي بنى نظاماً قاسياً ومتيناً صمد 25 عاماً من سوء إدارة الابن. والدرس هنا قديم: أخطر نقاط ضعف السلالات السياسية هي الخلافة.

الطفولة
يضيف وورث: "قال لي كثيرون عرفوا بشار إن انعدام ثقته بنفسه يعود إلى طفولته. فقد كان شقيقه الأكبر باسل يتنمّر عليه وعلى إخوته بقسوة، ما ترك أثراً دائماً في شخصياتهم. وتظهر هذه الديناميات العائلية في صورة شهيرة تعود إلى نحو عام 1993: باسل في الوسط، واثق ومتعجرف قليلاً، والوالدان أمامه، والإخوة على الجانبين. يقف بشار إلى اليسار، جسده مائل قليلاً، ونظرته قلقة، كأنه يبحث عن مخرج. وصل بشار إلى الحكم بالصدفة. كان باسل، الفارس الذهبي، وريث السلطة، لكنه قُتل في حادث سير عام 1994. أعاد حافظ ابنه بشار من لندن، حيث كان يتدرّب كطبيب عيون، وبدأ إعداده للحكم".
ووفق التحقيق، "في البداية، رأى معارضون كُثُر في خجل بشار وأدائه غير السلطوي بادرة أمل. وخلال ربيع دمشق بعد تولّيه الحكم عام 2000، بدا هامش حرية التعبير أوسع. لكن سرعان ما جاء القمع، وبدا أن نفسيته تعمل بالعكس: خوفه من الظهور بمظهر الضعيف دفعه إلى إثبات قسوته مراراً. قال لي من عرفوه إنّه عنيد، لا يستمع للنصيحة، ويستاء منها. يشبه والده في التصلّب، لكنّه يفتقر إلى صلابته. أُعجب خصوصاً بالأمين العام السابق لحزب الله السيد حسن نصرالله، وصدّق الدعاية التي قُدّمت له: أن محور المقاومة سيسحق إسرائيل، وأن كل شيء سيُمنح له بدون تنازلات".
"7 تشرين... ولونا الشبل"
عن هذا اليوم، يقول التحقيق: "في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، ظنّ الأسد لساعات أن النبوءة تحقّقت. بدا أن إسرائيل ضعيفة. لكن سرعان ما شنّت آلاف الغارات في غزة ولبنان وسوريا، وقتلت نصرالله نفسه. صمت الأسد. وربّما أراد تجنّب الاستهداف، لكن صمته غذّى شكوك إيران بأنّه يسرّب معلومات لإسرائيل. وبدأ المحور يتفكّك. كان ينبغي أن يقلقه ذلك، خصوصاً مع انشغال روسيا في أوكرانيا. لكن أجواء القصر لم تكن صحية. كان الأسد يمضي وقتاً طويلاً في لعب Candy Crush وألعاب أخرى على هاتفه. اعتمد على دائرة ضيّقة من شخصيات شابة مشكوك بكفاءتها، من بينهم لونا الشبل، الصحافية السابقة في الجزيرة، التي كانت عشيقته وتؤمّن له نساء، بمن فيهن زوجات ضباط كبار، بحسب مصادر متعدّدة".
في تسجيل ظهر في كانون الأول/ديسمبر، سُمع الأسد والشبل يضحكان بسخرية على "حزب الله" وعلى الجنود الذين يحيّونهم في شوارع دمشق. قال الأسد عن الناس: "يصرفون على المساجد، وليس لديهم ما يأكلونه". كانت هذه الجملة فاضحة، لأن الأسد كان يكدّس ثروة هائلة من تجارة المخدّرات، بينما كان الجنود يتقاضون نحو 10 دولارات شهرياً. تحولت سوريا إلى دولة مخدّرات، بإشراف شقيقه ماهر، عبر تصنيع وتهريب الكبتاغون، ما أغضب دول الخليج والأردن، بحسب التحقيق.
في تموز/يوليو 2024، وُجدت لونا الشبل ميتة في سيارتها قرب دمشق. قيل إنّه حادث، لكن الشبهات كثرت. ورجّحت مصادر أن الأسد نفسه أمر بقتلها.
الفصل الأخير
وعندما سقط النظام، لم يكن هناك مشهد تراجيدي أو إدراك أخير. فالدكتاتوريون بارعون في خداع أنفسهم. بدأ الفصل الأخير في تشرين الثاني/نوفمبر 2024. أعطى الرئيس التركي رجب طيب إردوغان الضوء الأخضر لعملية عسكرية للمعارضة، بعد أن فشل في إقناع الأسد بالتفاوض حول اللاجئين والمصالحة. وعندما سقطت حلب، كان الأسد في موسكو. حاول استجداء بوتين، لكن الأخير قال له إن الحل الوحيد هو التفاهم مع تركيا.
عاد الأسد إلى دمشق، ثم إلى أبوظبي، ثم حاول شراء الولاءات برواتب ضخمة. لكن الجنود الجائعين ثاروا وتركوا مواقعهم. ومع انسحاب الإيرانيين، انهار كل شيء.
في 7 كانون الأول/ديسمبر، لم يعد أحد قادراً على الوصول إليه. أطفأ هاتفه. وفي الليل، جمع أغراضه، وركب الطائرة الروسية.
عند الباب، قال له سائقه: "عنجد رايح وتاركن؟". فأجابه الأسد: "وإنتو؟ ما رح تقاتلوا؟".
ثم خرج ليلاً وكان الروس بانتظاره.
نبض