التعاون العسكري الروسي–السوري: ترتيب أوراق في مرحلة حاسمة
موسكو - أندريه كيرسانوف
لا يمكن اعتبار زيارة نائب وزير الدفاع الروسي يونس بيك يفكوروف لدمشق حدثاً عابراً، بل جاءت في إطار مساعٍ واضحة لتعميق التعاون العسكري-التقني وتوطيده بين البلدين، ولا سيما أنها أتت بعد أسبوع واحد فقط من زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع لموسكو.
ويشهد البلدان حالياً تكثيفاً ملحوظاً في اللقاءات والمباحثات على مستويات مختلفة، في وقت يمر فيه الوضع العسكري في سوريا بمرحلة حاسمة، خصوصاً في ظل التطورات الميدانية في مناطق نفوذ الأكراد.
وتشمل لقاءات يفكوروف خلال هذه الزيارة، التي تستمر أياماً عدة، مباحثات وزير الدفاع السوري مرهف أبو قصرة، ورئيس هيئة الأركان في الجيش السوري علي النعسان، فضلاً عن عدد من المسؤولين العسكريين الآخرين. ومن اللافت في هذا السياق أن الجانب الروسي لم يُعلن مسبقاً عن الزيارة، فيما كانت دمشق هي الطرف الذي كشف عنها.
مقاربة إيجابية للشراكة العسكرية
ينظر المسؤولون الروس بإيجابية إلى هذه المحادثات. وفي هذا الإطار، يقول عضو لجنة الشؤون الدولية في مجلس الدوما الروسي دميتري كوزنيتسوف إن الزيارة "تعكس اهتمام موسكو بتعزيز الشراكة العسكرية مع دمشق".
ويوضح كوزنيتسوف، في تصريح لـ"النهار"، أن "الحكومة السورية الجديدة تدرك أن أوروبا وتركيا والولايات المتحدة غير قادرة على وقف الغارات الإسرائيلية على الأراضي السورية"، مضيفاً أن دولاً أوروبية وتركيا "مهتمة بأن تبقى سوريا منقسمة، وأن تستمر فيها حالة من عدم الاستقرار".
ويضيف المسؤول الروسي أن "القيادة السورية الجديدة بحاجة إلى عودة الجانب الروسي لاعباً حقيقياً وفاعلاً لضمان حماية سوريا". ويخلص كوزنيتسوف إلى أن "روسيا، من جهتها، تحتاج إلى قاعدتي طرطوس وحميميم لأغراض لوجستية، وفي المقابل ستحصل سوريا على دعم قوي من موسكو لضمان سيادة البلاد".

أسباب عسكرية وتقنية
يرى خبراء عسكريون في روسيا أن هذه المحادثات تأتي لأسباب جوهرية عدة. وفي هذا السياق، يقول الخبير العسكري الروسي فيكتور ليتوفكين إن "الأمور واضحة للغاية. أولاً، في سوريا عدد كبير من الأسلحة والمعدات العسكرية الموروثة من عهد الاتحاد السوفياتي وروسيا المعاصرة، وهذه المعدات تحتاج إلى صيانة وترميم". ويضيف أن "روسيا هي الجهة القادرة على تأمين قطع الغيار وإرسال الخبراء العسكريين لتنفيذ هذا العمل".
ويشير ليتوفكين، في تصريح لـ"النهار"، إلى أن "هناك حاجة أيضاً لشراء أسلحة ومعدات عسكرية جديدة، إذ إن العسكريين السوريين تأقلموا على العمل بالأسلحة السوفياتية والروسية، وسيكون من الصعب عليهم الانتقال إلى استخدام أسلحة أجنبية، سواء كانت أميركية أو فرنسية أو ألمانية".
التدريب العسكري ومستقبل القواعد الروسية
يلفت ليتوفكين الذي يمتلك خبرة واسعة في الجيش الروسي، إلى أن القيادة العسكرية السورية الحالية "تحتاج إلى اكتساب خبرات إضافية"، موضحاً أن "الجانب الروسي سيُسهم في تدريب الجنود السوريين على تشغيل مقاتلات ودبابات روسية حديثة، إلى جانب إبداء اهتمام واضح بتعزيز دراسة الطلاب العسكريين السوريين في المعاهد العسكرية المتخصصة داخل روسيا".
ويتوقع الخبير العسكري الروسي أن يناقش الجانبان أيضاً أسعار وتكاليف المعدات وقطع الغيار، فضلاً عن وضع جدول زمني لتنفيذ هذا التعاون. كما يعتبر أن "اختيار يونس بيك يفكوروف لرئاسة الوفد الروسي كان منطقياً، لا سيما أنه مسلم، ما يسهم في تسهيل التواصل مع الجانب السوري".
أما في ما يتعلق بمستقبل الوجود العسكري الروسي في سوريا، ولا سيما قاعدتي حميميم وطرطوس، فيرى محللون في موسكو أن هذا الملف بات شبه محسوم، وأن دمشق ستحافظ على هذه القواعد في المرحلة المقبلة. وتشير المعطيات إلى أن مثل هذه الزيارات ستتواصل مستقبلاً، علماً بأن يفكوروف كان قد زار دمشق في تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، حيث التقى أبو قصرة، وبحث معه سبل تعزيز التعاون العسكري وآليات التنسيق بما يخدم مصلحة البلدين.
نبض