كيف تُدار الحسكة بين دمشق و"قسد"؟
دخل اتفاق الحكومة السورية و"قوات سوريا الديموقراطية" مرحلة التنفيذ الميداني في محافظة الحسكة، مع بدء انتشار وحدات من وزارة الداخلية داخل المدينة، في خطوة قدّمت رسمياً بوصفها تمهيداً لاستلام المسؤوليات الأمنية. غير أن الوقائع التي رافقت التنفيذ، وتفاصيل الانتشار وطبيعته، أظهرت منذ يومه الأول مساراً مختلفاً عن نماذج السيطرة التي طُبّقت في مناطق أخرى خلال الأسابيع الماضية.
في الحسكة، دخل رتل تابع لوزارة الداخلية مؤلف من نحو 15 آلية مدرعة، وعلى متنه ما بين 100 و125 عنصراً، عبر محور الهول باتجاه المدينة. ووفق الرصد الميداني، اقتصر الانتشار على المربع الأمني السابق والمؤسسات الحكومية، في حين بقيت الأحياء الأخرى تحت سيطرة قوات "الأسايش" التابعة لـ"قسد". هذا النمط التنفيذي المحدود ترافق مع تأكيد رسمي بأن الخطوة تأتي في إطار "المرحلة التنفيذية" من الاتفاق وبهدف ضمان انتقال انسيابي للوضع الأمني، إلا أن الوقائع على الأرض أظهرت أن الاستلام لم يكن شاملاً، لا جغرافياً ولا وظيفياً.
الأمر نفسه ينسحب على القامشلي، حيث يُنتظر أن يتمركز الأمن الداخلي السوري في مطار المدينة والمراكز الحكومية فقط، على غرار ما جرى في الحسكة، من دون دخول إلى الأحياء أو سحب فوري لقوى الأمن التابعة لـ"قسد".
في المقابل، واصلت "قسد" تنفيذ إجراءات أمنية موازية، شملت تكثيف الحواجز وحملات اعتقال في أحياء من الحسكة والقامشلي، بالتزامن مع دخول قوات وزارة الداخلية، ما عكس بقاء القرار الأمني موزعاً فعلياً، وعدم حدوث انتقال كامل للسلطة الأمنية في الشارع.
روايتان للتنفيذ
لم يقتصر التباين على الوقائع الميدانية، بل ظهر أيضاً في التصريحات الرسمية نفسها. ففي حين تحدث قائد الأمن الداخلي في الحسكة مروان العلي عن بقاء القوات الأمنية في مواقعها والدخول لاحقاً إلى القامشلي، مشيراً إلى دمج "الأسايش" ضمن وزارة الداخلية بعد تنفيذ بنود الاتفاق، قدّم نائبه سيامند عفريني، وهو قيادي في "قسد"، توصيفاً مختلفاً لطبيعة الانتشار، مؤكداً أن غالبية عناصر الأمن الداخلي ستغادر خلال ساعات، مع بقاء عدد محدود (15 عنصراً) لمدة شهر واحد فقط، بهدف إعادة تشغيل المؤسسات، ثم يغادرون عند انتهاء المهمة.
هذا الاختلاف في توصيف طبيعة الانتشار يعكس، على الأرجح، طبيعة الاتفاق نفسه، الذي نصّ على "دمج متسلسل" للقوات العسكرية والإدارية من دون تحديد آليات تفصيلية أو جدول زمني ملزم، ما فتح الباب أمام تنفيذ مرحلي مرن، يتيح قراءات متعددة بحسب موقع الجهة المصرِّحة ودورها.

لماذا الحسكة تحديداً؟
يبدو اعتماد هذا النموذج المرن في الحسكة خياراً سياسياً محسوباً أكثر منه تفصيلاً تقنياً. فالمحافظة تختلف عن الرقة ودير الزور من حيث حساسيتها الديموغرافية وتعقيد بنيتها الاجتماعية، فضلاً عن احتضانها ملفات أمنية وسياسية عالية الكلفة. إلى ذلك، تبرز رغبة دمشق في تجنّب فتح جبهة جديدة في لحظة انتقالية دقيقة، مقابل سعي "قسد" إلى الحفاظ على أوراق قوة أساسية خلال مرحلة الدمج.
هذه المقاربة تفسّر الفارق الواضح بينها وبين مناطق أخرى دخلت فيها القوات الحكومية بوصفها سلطة أمنية كاملة، كما في الرقة ودير الزور، أو تلك التي انتهى مسارها إلى حسم عسكري مباشر، كما في أحياء الشيخ مقصود والأشرفية بحلب. أما في الحسكة، فيجري اعتماد صيغة تقوم على انتشار جزئي وتأجيل حسم الملفات الحساسة.
ويُلاحظ أن هذا المسار تزامن مع اهتمام فرنسي متقدم بالملف، سبق بدء التنفيذ الميداني، ما يفتح الباب أمام احتمال تأثير هذا العامل ضمن مجموعة الاعتبارات التي رافقت صياغة الاتفاق وتنفيذه، من دون أن يرقى ذلك إلى مستوى الرعاية أو الضمان السياسي المباشر، أو اعتباره العامل الحاسم وحده.
سجون "داعش": عامل تفسيري
في هذا السياق، يُرجَّح أن يكون ملف سجون تنظيم "داعش" عاملاً تفسيرياً أساسياً لطبيعة الاتفاق وتنفيذه. فقد أبقت التفاهمات المعلنة حماية هذه السجون بيد "قسد"، وهو استثناء لافت في سياق ترتيبات دمج أمني وإداري يُفترض أن تنتهي، نظرياً، إلى استعادة الدولة لوظائفها السيادية.
يمكن قراءة هذا الاستثناء بوصفه أولوية دولية لتفادي أي فراغ أمني في منشآت عالية الحساسية تضم آلاف الموقوفين، أكثر منه تبنّياً لشكل حكم أو نموذج سيادي محدد، وهو ما يفسّر في الوقت نفسه الدعم الدولي لمسار التنفيذ الحذر.
أسئلة دستورية وسياسية مفتوحة
أثار تسريب بنود الاتفاق ثم ظهور بوادر التنفيذ تساؤلات جدية على الصعيدين الدستوري والسياسي. فقد تضمّن الاتفاق منح "قسد" صلاحية ترشيح محافظ الحسكة ونائب لوزير الدفاع، في حين ينص الإعلان الدستوري الموقت على أن هذه التعيينات من اختصاص رئيس الجمهورية من دون تخويل "حق الترشيح" لأي جهة أخرى.
ولا يقتصر السؤال هنا على الشكل القانوني، بل يتجاوزه إلى الدلالة السياسية: هل يشكّل ذلك اعترافاً ضمنياً بترتيبات أمر واقع؟ أم أنه تنازل اضطراري في مرحلة انتقالية؟ وهل يفتح الباب أمام سابقة قد تُطالب بها مناطق أخرى؟ أسئلة لا يقدّم الاتفاق إجابات صريحة عنها، لكنها تظل حاضرة بقوة في قراءة مآلاته.
ويزيد الغموض عدم نشر نسخة رسمية كاملة من الاتفاق، والاقتصار على تسريبات متناقضة، ما يعزّز الطابع الانتقالي وغير المحسوم للتفاهمات الجارية.
رهانات متقاطعة
في هذا المسار، تتقاطع رهانات الأطراف من دون أن تتطابق: تراهن دمشق على استعادة تدريجية للسيادة بأقل كلفة ممكنة، وتراهن "قسد" على الحفاظ على جوهر نفوذها الفعلي مرحلياً، فيما تركز القوى الدولية على منع انفلات أمني مرتبط بملفات حساسة، بينما تسعى المجتمعات المحلية إلى تجنّب فراغ جديد يعيد إنتاج العنف.
اتفاق بلا توصيف نهائي
بناءً على ما سبق، لا يمكن توصيف ما يجري في الحسكة بوصفه فرضاً كاملاً للسلطة المركزية، ولا اعتباره نموذجاً لامركزياً واضح المعالم. بل يبدو أقرب إلى مسار ثالث، مرن ومتدرّج، يُدار عبر تفاهمات تنفيذية أكثر منه عبر نصوص قانونية حاسمة، وتتشابك فيه اعتبارات محلية وإقليمية ودولية.
الحسكة ليست استثناءً فقط، بل مختبراً لطريقة الدولة السورية في إدارة مرحلة انتقالية بلا إطار دستوري واضح، وبلا قدرة على الحسم العسكري أو الإداري الكامل. نجاح هذا المسار أو تعثّره سيبقى مرهوناً بقدرته على الانتقال من الترتيبات الموقتة إلى صيغة مستقرة، وحتى ذلك الحين، ستظل الحسكة اختباراً مفتوحاً لمعنى السيادة وكيفية إدارتها في زمن الانتقال.
نبض