تحوّل أميركي في إدارة الملف العراقي يعيد رسم ملامح الحكومة المقبلة
يحكم المشهد السياسي العراقي حراك متسارع، بالتزامن مع تحولات في طريقة إدارة الولايات المتحدة لملف العراق، ما يفتح الباب أمام تساؤلات بشأن طبيعة المرحلة المقبلة وحدود التأثير الخارجي في مسار تشكيل الحكومة المقبلة، ولا سيما مع تصاعد الجدل حيال ترشيح رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي.
وتأتي التطورات الأخيرة بعد الإعلان العراقي رسمياً على لسان وزير الخارجية فؤاد حسين أن مارك سافايا لم يعد مبعوثاً أميركياً خاصاً إلى العراق، وأن السفير المخضرم المبعوث توم براك هو من صار مسؤولاً عن الملف العراقي في إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب.
إدارة الملف العراقي
ويرى رئيس مركز الإعلام العراقي في واشنطن نزار حيدر أن المبعوث الأميركي توم براك "يتولى عملياً إدارة الملف العراقي"، لافتاً إلى تحركاته المتكررة وزياراته لكل من بغداد وأربيل، إضافة إلى شبكة اتصالاته مع القيادات السياسية.
ويقول حيدر، في حديثه مع "النهار"، إن "براك يُعد ديبلوماسياً متمرّساً أثبت قدرته على التعامل مع ملفات معقدة في المنطقة، ولا سيما في سوريا ولبنان، ما يرجح أن ينقل خبراته إلى الساحة العراقية مع مراعاة خصوصياتها".
ويشير إلى أن جمع ملفات العراق وسوريا ولبنان ضمن مقاربة واحدة يعكس توجّهاً أميركياً للتعامل مع هذه القضايا بوصفها مترابطة، وهو ما قد يدل على رؤية أكثر شمولاً لإدارة أزمات المنطقة.
ويضيف حيدر أن "قرب براك من توجهات الرئيس الأميركي دونالد ترامب قد يمنحه مساحة أوسع لاتخاذ المبادرات، الأمر الذي قد يدفع باتجاه سياسات أكثر وضوحاً وحزماً"، داعياً القوى السياسية في بغداد إلى قراءة هذه المعطيات مبكراً.
أما بشأن ترشيح نوري المالكي لرئاسة الحكومة العراقية، فيعرب حيدر عن اعتقاده أن "قوى داخل الإطار التنسيقي تدرك أن الإصرار عليه قد يقود البلاد إلى مرحلة من عدم اليقين، لذلك يجري البحث عن مرشح توافقي يحظى بقبول أوسع، خصوصاً مع وجود تحفظات من أطراف سياسية وعوامل إقليمية ودولية تجعل تمرير ترشيحه بالغ التعقيد".
التحفظ على المالكي
وفي السياق، يؤكد المتحدث باسم "ائتلاف النصر" سلام الزبيدي، لـ"النهار"، أن "تحفظنا ليس على شخص المالكي، بل على المعايير المتعلقة بالمقبولية الدولية والوطنية". ويقول إن القائم بالأعمال الأميركي نقل إلى المالكي الرسالة ذاتها التي وصلت إلى قادة الإطار عبر قنوات سياسية عدة، مشيراً إلى أن بيان التمسك بالمالكي "كُتب على عجل ثم خضع للتعديل نتيجة عدم الاتفاق على بعض مفرداته".
ويشدّد الزبيدي على أن غياب التوافق قد يعرقل عمل الحكومة المقبلة، مؤكداً "حرص ائتلاف النصر على وحدة القرار السياسي لتجنب أزمات جديدة".
لا ثقة
أما القيادي في "ائتلاف الإعمار والتنمية" علي الفتلاوي، فيجد أن السياسة الأميركية "لا يمكن الوثوق بها بالكامل"، واصفاً إياها بأنها "تميل إلى الهيمنة".
ويشدد الفتلاوي، في حديثه مع "النهار"، على أن "العراق دولة ذات سيادة وقادرة على اتخاذ قراراتها الداخلية من دون وصاية، سواء من براك أو غيره".
ويقول الفتلاوي إن "وجود شراكة بين بغداد وواشنطن لا يعني منح أي طرف خارجي حق التدخل في اختيار رئيس الوزراء أو التأثير في الاستحقاقات السياسية".
ويردف أن التحديات الإقليمية، سواء المرتبطة بإيران أو تركيا أو بعض التنظيمات المسلحة، تتطلب قراءة دقيقة تحافظ على مصالح العراق.

الالتزام بالسيادة
من جهته، يعتبر القيادي في "ائتلاف دولة القانون" إبراهيم السكيني أن التحولات في آلية تعيين المبعوثين الأميركيين إلى المنطقة قد "تُعد مؤشّراً مقلقاً إذا فُهمت على أنها تدخل في الشؤون الداخلية للدول"، مشدّداً على ضرورة الالتزام بمبدأ السيادة كما نص عليه ميثاق الأمم المتحدة.
ويقول السكيني، لـ"النهار"، إن "المرحلة الراهنة تتطلب موقفاً عراقياً موحداً يضع مصلحة البلاد فوق أي اعتبارات، ويحمي القرار الوطني من التأثيرات الخارجية".
إخفاق سافايا
في المقابل، يرى الصحافي أحمد الموسوي أن انتقال إدارة الملف العراقي من مارك سافايا إلى براك "يمثّل تحوّلاً من الاعتماد على شخصية ذات خلفية في عالم الأعمال إلى مرحلة يقودها ديبلوماسي أكثر خبرة في إدارة الملفات المعقدة"، لا سيما أنه يتزامن مع تصاعد التوتر بين واشنطن وبغداد على خلفية مشاورات تشكيل الحكومة.
ويشير الموسوي، في حديثه مع "النهار"، إلى أن "من أبرز دلالات هذا التحول ما تردد عن إخفاق سافايا في التعامل مع ملفات حساسة، وعدم قدرته على التأثير في مسار ترشيح المالكي". ويلفت إلى أن سافايا، وهو رجل أعمال عراقي-أميركي عُيّن مبعوثاً خاصاً في تشرين الأول/أكتوبر 2025، لم يكن جزءاً مؤسسياً من وزارة الخارجية ولم يقم بزيارة رسمية للعراق، ما أثار تساؤلات حيال فاعلية دوره.
ويلاحظ الموسوي أن هذه التطورات ترافقت مع مؤشّرات لافتة، من بينها حذف حساب سافايا على منصة "إكس" بعد تصاعد تصريحاته بشأن قضايا داخلية.
نبض