هل يقتحم العراق الحرب الأميركية - الإيرانية من بوابة الفصائل؟
يترقّب العراق بقلق التصعيد بين الولايات المتحدة وإيران، كونه يندرج ضمن دوائر النفوذ المشتركة بين الطرفين، ويشكّل ساحة تجاذب وصراع. الواقع القائم في العراق معقّد ويزداد تعقيداً بعد الانتخابات التي أجريت أخيراً، وقد تنتج منها عودة نوري المالكي إلى موقع رئاسة الحكومة، وهو أحد أكثر المقربين من إيران والفصائل الموالية لها في العراق.
الحرب الأميركية، مع ترجيح انضمام إسرائيل إليها، في حال حصولها، من المفترض أن تتركّز ضد إيران فقط، كون الولايات المتحدة تريد انتزاع اتفاق سياسي يضعف الجمهورية الإسلامية إلى أقصى الحدود، ينهي تخصيبها لليورانيوم ويحدّ من قدراتها البالستية ويوقف دعمها للفصائل الموالية لها في المنطقة. ووفق التقديرات، ستبقى الحرب محصورة بإيران.
لكن الجديد الذي كان لافتاً خلال الأيام القليلة الماضية إعلان "حزب الله" العراقي، وبعده "حزب الله" اللبناني، أنهما لن يكونا على حياد خلال هذه الحرب في حال اندلعت. الحزب العراقي دعا الى "التهيؤ لحرب شاملة اسناداً لإيران والاستعداد ميدانياً"، وتوجّه لأعداء طهران بالقول: "الحرب لن تكون نزهة، بل ستذوقون فيها ألوان الموت، ولن يبقى لكم في منطقتنا باقية".
و"حزب الله" العراقي هو أحد أكثر الأحزاب نشاطاً وقوة داخل البلاد ويعد في طليعة الفصائل الموالية لإيران، لكن يبدو أن موقفه لا يتمتع بقبول تام من حلفاء إيران في العراق. فقد نقلت تقارير عربية عن مصدر في "الإطار التنسيقي"، وهو تحالف سياسي مؤيّد لإيران في العراق، إن هذه التصريحات "غير مناسبة" لأن القوى السياسية "غير مستعدة للحرب".
احتمالات دخول الحرب
ثمّة إجماع على أن اقحام العراق في الحرب سيكون نتيجة محتملة لسبب، وهو إطلاق الفصائل العراقية الموالية لإيران عمليات ضد الوجودين الأميركي أو الإسرائيلي في المنطقة. وفي حال لم يحصل ذلك، فإن العراق سيتجنّب الحرب والاستهداف العسكري، مع العلم أن الضغوط السياسية ستبقى مستمرّة لتشكيل حكومة عراقية جديدة بعيدة نسبياً عن النفوذ الإيراني العميق.
بالعودة إلى التجربة، فإن الفصائل العراقية لم تشارك بحرب الـ12 يوماً خلال حزيران/يونيو الماضي، ولم تبد أي رد فعل عسكري على الهجمات الإسرائيلية والأميركية ضد إيران. وقبل تلك الحرب، كان عزّام الحمداني، أحد أكبر قادة تحالف "العزم"، وهو ائتلاف سني عراقي، شدّد على وجوب أن يواصل العراق "سياسته الخارجية المتوازنة ورفض الانجرار إلى أي صراع".
من جهته، حذر المحلل الاستراتيجي أحمد الشريفي حينها من تصاعد التوتر بين واشنطن وطهران وانعكاسه على عودة نشاط الجماعات المسلحة في بغداد، ولم يستبعد أن يدفع التصعيد وتشديد العقوبات الأميركية الفصائل المسلحة في العراق إلى "استئناف" هجماتها على المصالح الأميركية كوسيلة ضغط، محذّراً من رد أميركي. لكن هذا السيناريو لم يحصل، والفصائل بقيت على حياد عسكري.
استبعاد الحرب
وبظل الاجماع على أن الولايات المتحدة لن تستهدف العراق إلّا إذا اقحمت الفصائل نفسها من خلال استهداف مصالح أميركية، فإن العودة إلى موقف "حزب الله" العراقي ضرورية للبناء عليه. منتظر ناصر، رئيس تحرير "العالم الجديد"، يقول لـ"النهار" إن مشاركة الفصائل العراقية في الحرب ستعني "القضاء عليها بشكل كامل" بعد الظهور الأميركي "القوي" في مواجهة إيران.
لكن بتقديره، فإن التهديدات التي أطلقها "حزب الله" العراقي "إعلامية أكثر مما هي واقعية"، وفي حال أراد الحزب تفعيل تهديداته، فقد يكتفي بممارسات "شكلية"، كالتظاهرات أو بعض الإطلاقات "غير المؤثرة"، خصوصاً أن الفصيل يعي أنه "غير قادر على مواجهة" الولايات المتحدة، وغير قادر على تحمّل تداعيات أي هجوم أميركي.
تحول الفصائل نحو السياسة
يضاف إلى ذلك عامل مهم. الفصائل العراقية الموالية لإيران، رغم قربها من النظام الإيراني، حاولت البقاء على حياد في الصراع العسكري الدائر في الشرق الأوسط منذ 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023، واقتصر نشاطها على سوريا قبل سقوط نظام بشّار الأسد، وبعض الاطلاقات القليلة جداً وغير المؤثرة ضد مصالح أميركية وإسرائيلية، بما يشي أن هذه الفصائل حاولت تجنيب نفسها والعراق الحرب.
ناصر لا يغفل هذا الجانب خلال حديثه، ويقول إن الفصائل العراقية "بدّلت" سلوكها بشكل كبير جداً وشاركت في العملية السياسية، ولم تظهر أي نشاط مسلّح خلال الفترة الماضية رغم كل ما استجد في لبنان وسوريا. وبرأيه، فإن هذا التبدّل في السلوك سينعكس أيضاً على مقاربات الولايات المتحدة في التعاطي مع الفصائل، كونها مهتمة بـ"تغيير السلوك" وليس تغيير الجهات.
في المحصّلة، فإن ضبط الفصائل العراقية لممارساتها وضبط الحكومة العراقية لسلوك الفصائل الموالية لإيران، ومحاولة إحداث التوازن في السياسة الخارجية، سيكون المدخل الوحيد نحو تحييد العراق عن حرب لا قدرة له على تحملها، في ظل الضغوط السياسية المتزايدة بعد الإعلان عن احتمال عودة المالكي إلى رئاسة الحكومة، وما يعنيه ذلك من نشاط النفوذ الإيراني في العراق.

نبض