انسحاب روسيا من مطار القامشلي: نهاية دور وظيفي أم تراجع استراتيجي؟

المشرق-العربي 27-01-2026 | 09:36

انسحاب روسيا من مطار القامشلي: نهاية دور وظيفي أم تراجع استراتيجي؟

لم يكن الوجود الروسي في مطار القامشلي امتداداً طبيعياً لسياسة القواعد الدائمة التي رسّختها موسكو في الساحل السوري.
انسحاب روسيا من مطار القامشلي: نهاية دور وظيفي أم تراجع استراتيجي؟
مروحية عسكرية روسية إلى جانب شاحنات ومركبات أخرى في مطار القامشلي شمال شرق سوريا، في كانون الأول 2024. (أ ف ب)
Smaller Bigger

يأتي الانسحاب الروسي من مطار القامشلي في لحظة سياسية لافتة، تتزامن مع الزيارة المرتقبة غداً للرئيس السوري أحمد الشرع إلى موسكو ولقائه بنظيره الروسي فلاديمير بوتين، في ثاني زيارة من نوعها منذ سقوط نظام الأسد، بعد زيارة أولى جرت في تشرين الأول/أكتوبر الماضي. هذا التزامن لا يفرض بالضرورة علاقة سببية مباشرة بين الحدثين، لكنه يفتح الباب أمام قراءة أوسع لطبيعة التحوّل الجاري في العلاقة السورية–الروسية، وللسياق الذي تُعاد فيه صياغة أدوار موسكو في داخل سوريا بعد مرحلة طويلة من الاشتباك المفتوح.
فمنذ ظهوره عام 2019، لم يكن الوجود الروسي في مطار القامشلي قاعدةً بالمعنى العسكري أو القانوني للكلمة، ولا امتداداً طبيعياً لسياسة القواعد الدائمة التي رسّختها موسكو في الساحل السوري. كان وجوداً وظيفياً بامتياز، مرتبطاً بمرحلة محددة من الصراع السوري وبمعادلة إقليمية موقتة، أكثر مما كان مشروعاً طويل الأمد. لذلك، فإن قراءة الانسحاب الروسي اليوم لا تستقيم بوصفه قراراً عسكرياً معزولاً، ولا باعتباره تراجعاً مفاجئاً في الاهتمام الروسي بسوريا، بل باعتباره انعكاساً لتحوّل أعمق في طبيعة الدور الروسي نفسه وفي البيئة التي كان هذا الدور يتحرك في داخلها.

القامشلي كمساحة وظيفية
حين دخلت روسيا إلى مطار القامشلي، أواخر عام 2019، كانت المنطقة تمرّ بلحظة فراغ نادرة: انسحاب أميركي جزئي أربك التوازنات، وعملية تركية دفعت قوات سوريا الديموقراطية (قسد) إلى البحث عن مظلة بديلة، ودولة سورية عاجزة آنذاك عن بسط سيادتها الفعلية على شمال شرقي البلاد. في تلك اللحظة، لم تدخل موسكو القامشلي لتؤسس قاعدة سيادية جديدة، بل لتسدّ فجوة. كانت قوة موازنة بين أطراف متناقضة، ووسيطاً يحاول ضبط الإيقاع ومنع الانفجار، أكثر مما كانت قوة سيطرة تسعى إلى ترسيخ حضور دائم.
لكن هذا الطابع الوظيفي هو نفسه ما يفسّر هشاشة هذا الوجود اليوم. فالعوامل التي جعلت من القامشلي نقطة جذب لروسيا لم تعد قائمة. النفوذ الأميركي يتجه نحو الانكفاء، لكنه لم يعد يفتح لموسكو المساحة التي كان يتيحها سابقاً، بل يترك فراغاً لا تملك روسيا اليوم القدرة أو الرغبة في ملئه. و"قسد" فقدت موقعها كحليف مدعوم بلا تحفظ، وباتت تبحث عن داعم خارجي في بيئة إقليمية أقل تسامحاً مع مشاريع الحكم الذاتي. وفي المقابل، استعادت دمشق بعد عام 2024 جزءاً مهماً من قدرتها على فرض شروطها، أو على الأقل إعادة تعريف خطوط التفاوض من موقع أقوى. ومع تغيّر هذه العناصر مجتمعة، تراجع الدور الوسيط الذي كانت موسكو تؤديه، وأصبح وجودها في القامشلي أقلّ فائدة وأكثر كلفة.

تغيّر موازين القوى وتآكل دور الوسيط
كذلك، فإنّ أن البيئة الأمنية التي سمحت لروسيا بالانتشار في أطراف الجغرافيا السورية تغيّرت بدورها. خروج إيران من سوريا بعد سقوط النظام السابق، وإن لم يكن عاملاً حاسماً بحد ذاته، إلا أنه أزال أحد العناصر التي كانت تمنح موسكو قدراً من المرونة في مناطق بعيدة عن مركز نفوذها الساحلي. لم تكن روسيا تعتمد على إيران سياسياً، لكنها كانت تستفيد من وجودها كجزء من شبكة تملأ الفراغات على الأرض. ومع غياب هذا الامتداد، بات الوجود الروسي في نقاط تماس مثل القامشلي أكثر انكشافاً وأقل مرونة.
في موازاة ذلك، برز تشدد روسي واضح تجاه أي صيغة سياسية يمكن أن تُقرأ بوصفها ما دون الدولة. تصريحات وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، التي انتقد فيها صراحة مشاريع الإدارة الذاتية، لم تكن مجرد تكرار لشعار "وحدة الأراضي السورية"، بل عكست إعادة تموضع مفاهيمية أعمق: موسكو لم تعد ترى مصلحة لها في حماية مناطق رمادية سياسياً قد تُفهم لاحقاً كغطاء لتفكيك ناعم للدولة. البقاء في القامشلي، في لحظة إعادة ترتيب العلاقة بين دمشق و"قسد"، كان سيضع روسيا في موقع ملتبس سياسياً ورمزياً، لا يبدو أنها راغبة في تحمّل تبعاته.

 

محطة رادار عسكرية روسية متنقلة في مطار القامشلي شمال شرق سوريا، في كانون الأول 2024. (أ ف ب)
محطة رادار عسكرية روسية متنقلة في مطار القامشلي شمال شرق سوريا، في كانون الأول 2024. (أ ف ب)

 

من الانتشار الميداني إلى إعادة تعريف النفوذ
تزداد هذه الصورة وضوحاً عند النظر إلى القيود الإقليمية المتزايدة على الحركة الروسية. التقارير الإسرائيلية التي تحدثت عن رفض تل أبيب لأي وجود عسكري روسي في الجنوب السوري لا يمكن التعامل معها كتفصيل هامشي. هي تعبير عن واقع جديد: هوامش الحركة التي تمتعت بها موسكو في سنوات سابقة بدأت تضيق. إسرائيل، التي كانت تتسامح مع الوجود الروسي بوصفه عاملاً منظِّماً أو ضابطاً للإيقاع، باتت تنظر إليه كقيد محتمل على حرية عملها العسكري، وهي مستعدة لاستخدام ثقلها السياسي لمنع ترسيخه في مناطق حساسة. ومع تقلّص هوامش الحركة في الجنوب والشرق معاً، يصبح من المنطقي أن تفضّل موسكو تركيز وجودها في مواقع سيادية محصّنة قانونياً وسياسياً، بدلاً من التمدد في نقاط تماس قابلة للطعن والاعتراض.
من هذه الزاوية، يبدو الانسحاب من مطار القامشلي أقرب إلى إعادة ضبط للنفوذ منه إلى انسحاب استراتيجي شامل. روسيا لا تغادر سوريا، لكنها تقلّص حضورها في المواقع التي ارتبط وجودها فيها بمرحلة انتقالية انتهت أو شارفت على الانتهاء. هي تنتقل من دور اللاعب الميداني المباشر إلى دور الضامن البعيد، ومن انتشار واسع متعدد النقاط إلى ارتكاز سيادي محدود، ومن إدارة الفوضى إلى مراقبة ما بعدها.
ويكتسب هذا المسار دلالته السياسية الأوسع مع زيارة الشرع إلى موسكو، إذ لم تعد روسيا تتعامل مع سوريا كساحة لإدارة أزمة، بل كشريك تُعاد معه صياغة حدود الدور والمصلحة. من هذا المنظور، يبدو الانسحاب من مطار القامشلي جزءاً من مقاربة أوسع لإعادة تعريف النفوذ الروسي: نفوذ أقل انتشاراً، أكثر تركيزاً، وأشد ارتباطاً بالمواقع السيادية وبالتفاهمات السياسية المباشرة، لا بالأدوار الرمادية التي طبعت مرحلة سابقة.
ما يجري في القامشلي، إذن، ليس إعلان خروج، بل إشارة إلى أن روسيا لم تعد ترى في الشمال الشرقي ساحة تستحق الاستثمار المباشر بالكلفة السياسية والعسكرية نفسها. وفي لحظته الراهنة، يعكس هذا الانسحاب إدراكاً روسياً بأن زمن الوجود الرمادي، غير المؤطّر قانونياً، بات أقل جدوى في سوريا تُعاد فيها صياغة مفهوم السيادة، وتتحول تدريجياً من ساحة تنافس دولي إلى ساحة تسويات داخلية.

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

المشرق-العربي 1/28/2026 6:04:00 PM
أكدت العائلة في ختام بيانها شجبها للجريمة، ودعاءها لابنتها بالرحمة
منبر 1/28/2026 10:07:00 AM
لقد توفيتُ منذ دقيقتين…لم أمتْ فوراً.توقّف الوقت أولًا… ثم تذكّرتُ اسمي.
اقتصاد وأعمال 1/26/2026 5:43:00 AM
قانون الإيجارات لا يجوز تطبيقه جزئيا، "لأنه قائم في أساسه على وجود اللجان والصندوق
اقتصاد وأعمال 1/28/2026 11:09:00 AM
أكدت مجموعة الحبتور احتفاظها الكامل بكافة حقوقها، ومواصلتها اتخاذ ما يلزم من إجراءات قانونية مناسبة، وفقاً للاتفاقيات الدولية والأطر القانونية ذات الصلة.