الخط الأصفر في غزة... شعرة تفصل بين الحياة والموت

تحقيقات 27-01-2026 | 06:12

الخط الأصفر في غزة... شعرة تفصل بين الحياة والموت

يبدأ الخط الأصفر من شمالي غزة مروراً بمناطق الوسط، وصولاً إلى أطراف رفح جنوباً.
الخط الأصفر في غزة... شعرة تفصل بين الحياة والموت
رجل فلسطيني يقف على مقربة من كتلة خرسانية تحدد الخط الأصفر الذي رسمه الجيش الإسرائيلي في البريج، وسط قطاع غزة. (أ ف ب)
Smaller Bigger

في الوقت الذي تتجه فيه الأنظار إلى حكومة التكنوقراط الفلسطينية التي أُعلن عن تشكيلها بالتزامن مع إطلاق مجلس السلام خلال ملتقى دافوس الاقتصادي، تسود حالة من الترقب والقلق حيال قدرتها على إدارة المرحلة المقبلة، في ظل تعقيدات ميدانية متصاعدة، أبرزها ما يجري على الأرض في قطاع غزة.

 

وتأتي هذه التطورات في إطار بدء المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار، بعد مرور 100 يوم على سريانه، وهي مرحلة تستند إلى خطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب المؤلفة من 21 بنداً، والمفترض أن تمتد حتى نهاية عام 2027. غير أن الواقع الميداني يشير إلى عكس ذلك، إذ تواصل إسرائيل فرض وقائع جديدة، أبرزها ما يُعرف بـ"الخط الأصفر".

 

ورغم الاتفاق، يُحظر على الفلسطينيين دخول المناطق السكنية والزراعية الواقعة خلف هذا الخط، الذي يشكّل ما بين 50 و58% من مساحة القطاع، وفق الخرائط العسكرية الإسرائيلية، ويُقابل أي اقتراب منه باستهداف مباشر.

 

الخط الأصفر

يمتدّ الخط الأصفر على طول قطاع غزة بعمق يتراوح ما بين كيلومترين وسبعة كيلومترات، ويُصنَّف كمناطق قتال خطرة خاضعة لسيطرة الجيش الإسرائيلي. ورغم كونه خطاً افتراضياً، فقد قام الجيش بتثبيت كتل إسمنتية صفراء كبيرة لتحديده ميدانياً.

 

يبدأ الخط من شمالي غزة مروراً بمناطق الوسط، وصولاً إلى أطراف رفح جنوباً. وخلف هذا الخط يتمركز الجيش الإسرائيلي في مناطق تشمل شرقي مدينة غزة وأحياء الشجاعية والتفاح والزيتون، إضافة إلى بلدات شمالي القطاع مثل بيت حانون وبيت لاهيا، ومناطق جنوبه في رفح وشرقي خان يونس.

 

وأدى توسيع الجيش الإسرائيلي نطاق الخط بنحو 300 متر في داخل الأحياء المدنية إلى محاصرة عائلات فلسطينية لم تتمكن من النزوح في تشرين الثاني/نوفمبر 2025، ووُثّقت خروقات لوقف إطلاق النار، شملت القصف المباشر، والأحزمة النارية، واستخدام الدبابات والآليات المتمركزة على أطراف الأحياء، إضافة إلى الطائرات الحربية والمسيّرات التي استهدفت المدنيين.

 

وذكرت قناة "إي 24" الإسرائيلية أن الجيش الإسرائيلي يحفر خندقاً عميقاً خلال الأسابيع الأخيرة، بعمق عدة أمتار، ليشكّل عائقاً على امتداد "الخط الأصفر"، بهدف منع العبور وإعاقة حركة الفلسطينيين والمركبات المتجهة نحو الجانب الإسرائيلي.

 

ويُحفر هذا العائق على طول عدة كيلومترات شمالي وجنوبي القطاع. ووفق التخطيط العملياتي واحتياجات حماية القوات، تم حفر ما لا يقلّ عن كيلومتر ونصف في جنوبي القطاع، إضافة إلى إنشاء تلال اصطناعية في نقاط أخرى.

 

كتلة خرسانية تحدد الخط الأصفر الذي رسمه الجيش الإسرائيلي في بريج، وسط قطاع غزة. (أ ف ب)
كتلة خرسانية تحدد الخط الأصفر الذي رسمه الجيش الإسرائيلي في بريج، وسط قطاع غزة. (أ ف ب)

الميليشيات المسلحة

أبرزت سياسة التقسيم والسيطرة الإسرائيلية على أجزاء من القطاع ظهور ميليشيات مسلّحة متعاونة مع إسرائيل، خاصة في شرقي غزة، وتحديداً في حيّ الشجاعية، حيث برزت مجموعة بقيادة رامي عدنان حلّس.

 

كما يتزعم أشرف المنسي ما يُعرف بـ"الجيش الشعبي" في بيت لاهيا وبيت حانون. وكانت مجموعته تحظى بدعم مباشر من ياسر أبو شباب قبل مقتله.

 

وفي منطقة خان يونس، تنشط ميليشيا تابعة لحسام الأسطل، بالتعاون مع غسان الدهيني. والأسطل ضابط سابق في الأمن الوقائي، ومتهم بالتخابر مع إسرائيل منذ عام 1996، وله دور بارز في اغتيال الأستاذ الجامعي الفلسطيني فادي البطش، عام 2018، في كوالالمبور بماليزيا بتكليف رسميّ من الموساد.

 

وكشفت وسائل إعلام إسرائيلية عن أن هذه المجموعات تتلقى دعماً وتوجيهاً مباشراً من جهاز الأمن العام الإسرائيلي (الشاباك)، والوحدة 8200 التابعة للجيش. كذلك نشرت صحيفة "وول ستريت جورنال" تقريراً عن المساعدات والمعلومات والإمدادات، سواء عبر الدعم الجوي أم عبر الوسائل القتالية أو المعلومات الاستخباراتية التي يوفرها الجيش الإسرائيلي لهذه المجموعات.

 

 أشرف المنسي، قائد ميليشيا الجيش الشعبي يجلس بين مسلّحَين. (وكالة معاً)
أشرف المنسي، قائد ميليشيا الجيش الشعبي يجلس بين مسلّحَين. (وكالة معاً)

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

بين الحياة والموت

وتعيش العائلات الفلسطينية القريبة من الخط الأصفر أوضاعاً أمنية بالغة الصعوبة نتيجة القصف المستمر. ومنذ بدء وقف إطلاق النار، قُتل 484 فلسطينياً برصاص وقصف سلاح الجو الإسرائيلي، الذي يواصل استهداف المدنيين رغم تثبيت الحدود الميدانية.تواصلت "النهار" مع فلسطينيين يقطنون مناطق محاذية للخط الأصفر، فتحدّثوا عن الرّعب الليلي الذي يعيشونه مع عائلاتهم، وصعوبة الحصول على المياه والمساعدات الإنسانية، في ظل امتناع المنظمات الدولية عن الوصول إلى تلك المناطق خوفاً من الاستهداف، حتى شاحنات المياه لا تصل إليهم، ما دفع العديد من العائلات إلى النزوح مجدداً.في حي التفاح، تتجلى اتساع رقعة السيطرة الإسرائيلية بوضوح. فقد كان يوماً حياً تاريخياً في مدينة غزة، لكنه تحوّل اليوم إلى أرض قاحلة مليئة بالمباني المدمرة والخردة المعدنية بفعل القصف. وبعد وقف إطلاق النار، كان من المفترض أن يشهد انسحاباً إسرائيلياً، إلا أن الجيش وضع كتلاً إسمنتية داخل الجانب الفلسطيني، ثم تقدم نحو 200 متر إضافية، وسوّى المنطقة بالأرض، مدمّراً ما لا يقل عن 40 مبنى.

 

 

يقول مصطفى صلاح، أحد سكان حي التفاح، لـ"النهار": "هربنا من المنطقة أكثر من مرة بسبب تقدّم جيش الاحتلال بشكل مخالف للاتفاق. لكن الوضع أصبح أخطر بعد تقدم الميليشيات المتعاونة مع الإسرائيليين التابعة لرامي حلّس وأبو شباب، إذ أطلقوا النار علينا، واضطررنا إلى النزوح نحو مفترق صلاح الدين – الشجاعية، وسط إطلاق نار كثيف وقصف متواصل".

 

ويضيف: "المشكلة الكبرى هي الإصابات اليومية، نتيجة إطلاق النار المباشر من طائرات الكواد كابتر. كان هناك أكثر من 200 أسرة تعيش في ظروف لا يمكن وصفها".

 

يتابع مصطفى: "المنطقة شديدة الخطورة، وقُصف منزلنا الذي سكناه قبل الحرب، فاضطررنا إلى العيش في منازل مدمّرة جزئياً، ثمّ أُجبرنا على المغادرة مجدداً بعد أن فجّر الجيش المربّع السكنيّ بالكامل، ليتوسّع الخط الأصفر بشكل واضح".

 

ويوضح بأن العائلات انتقلت إلى منطقة أقلّ خطورة نسبياً، لكنها لا تزال غير آمنة، إذ لا تتوفر أدنى مقومات الحياة، مع استمرار القصف، وسوء الأحوال الجوية، وغرق الخيام، وعدم وجود حماية من الرصاص أو البرد، خصوصاً للأطفال وكبار السن.

 

كذلك، تعاني المنطقة من انعدام المياه وشبكات الصرف الصحي، وانتشار الأمراض، وانقطاع كامل للخدمات، في ظل خوف شاحنات الإغاثة من الوصول بسبب إطلاق النار المستمر.

 

وفي حي الشجاعية، تطلق طائرات "الكواد كابتر" الرصاص بشكل مباشر، فيما يعيش عدد قليل من الفلسطينيين في خيام لا تحميهم من القصف أو البرد، وسط نقص حاد في المياه والغذاء، وغياب أي مظاهر للحياة.

 

ويقول محمود ناصر لـ"النهار" إن عائلته المكونة من 12 فرداً تعاني يومياً من القصف وقنابل الغاز، واصفاً الأيام الأخيرة بأنها الأصعب منذ بداية الحرب. ويضيف: "نخرج صباحاً، ولا نعلم إن كنّا سنعود أحياء. لا يوجد خيار آخر ولا مكان نذهب إليه".

 

ويشير محمود إلى أنه يُضطر إلى الذهاب إلى عمله عند الساعة السادسة والنصف صباحاً سيراً عبر طرق فرعية لتجنب الخطر، ويحاول تأمين المياه والمستلزمات بصعوبة، كما يستخدم قطع قماش مبلّلة لحماية أطفاله من الغاز.

 

ويختم بالقول: "ليلاً ونهاراً، لا يتوقف إطلاق النار، وتُفجَّر العربات المفخخة، وتستمر المعاناة من دون أفق واضح للنجاة".

 

الأكثر قراءة

المشرق-العربي 1/25/2026 6:00:00 PM
مقتل المحامية الشابة زينة المجالي متأثرة بإصابات خطيرة تعرّضت لها داخل منزل العائلة في العاصمة عمّان.
المشرق-العربي 1/25/2026 8:00:00 PM
ماذا تفعل ابنة آصف شوكت في اجتماع وزاري بدمشق؟ الوزارة توضح وتضع ضوابط جديدة
اقتصاد وأعمال 1/26/2026 5:43:00 AM
قانون الإيجارات لا يجوز تطبيقه جزئيا، "لأنه قائم في أساسه على وجود اللجان والصندوق
النهار تتحقق 1/26/2026 3:02:00 PM
حصدت الصورة عشرات آلاف المشاهدات، وآلافا عدة من اللايكات ومئات التعليقات، بينها لمستخدمين تساءلوا عن صحتها. ماذا وجدنا؟