بعثُ "داعش"... من يريده الآن؟

المشرق-العربي 30-01-2026 | 06:13

بعثُ "داعش"... من يريده الآن؟

عودة "داعش" إلى الواجهة اليوم هي العارض الجانبي الأقسى لعملية "تصفية الحسابات" الكبرى في الشمال والشرق السوري.
بعثُ "داعش"... من يريده الآن؟
عناصر من "داعش" معتقلون في سجن في الرقة في عام 2022. (أ ف ب)
Smaller Bigger

لا يُنظر إلى إحياء "داعش" اليوم أنه عودة عسكرية تقليدية للتنظيم الجهادي المصنف إرهابياً في دول العالم أجمع، إنما هو "إعادة موضعة" ذكية في ظل تصدّع نظام الأمن الإقليمي. ومعروف أن التنظيم لا يطمح اليوم إلى سيطرة مكانية واسعة كما في 2014، لذل يركز على استراتيجية "الإنهاك"، وتفكيك ثقة الناس – في سوريا وخارجها - في أحمد الشرع وحكومته الانتقالية.

كان ملف السجون أول ثغرة نفذ منها التنظيم. انشغلت "قوات سوريا الديموقراطية" (قسد) بالدفاع عن وجودها، فتراجعت الحماية الأمنية لمراكز احتجاز تضم آلاف المتطرفين. فبهروب نحو 120 سجيناً من سجن الشدادي جنوب الحسكة في كانون الثاني/يناير الجاري، تأكد أن التنظيم ينفذ اليوم عملية "هدم الأسوار" الجديدة، رغم استعادة معظمهم. وفقدان "قسد" السيطرة على سجون مختلفة مثل "الأقطان" بالرقة وفّر لـ "داعش" خزاناً بشرياً جاهزاً للانخراط فوراً في العمليات القتالية.

في مطلع 2026، تجاوز نشاط "داعش" العمليات التقليدية بالبادية السورية، ليصل إلى تنفيذ هجمات نوعية في المدن الكبرى. ويعد تفجير كنيسة مار إلياس للروم الأرثوذكس في الدويلعة بدمشق (حزيران/يونيو 2025)، وأسفر عن مقتل 22 شخصاً، مؤشراً مبكراً على قدرة التنظيم على اختراق العمق الأمني للحكومة الجديدة.  

 

عناصر من الجيش السوري يحرسون سجن الأقطان على مشارف الرقة. (أ ب)
عناصر من الجيش السوري يحرسون سجن الأقطان على مشارف الرقة. (أ ب)

 

أطراف عدة
لم يُقدم طرف واحد على "إحياء" داعش بشكل مباشر، إنما ساهمت تقاطعات المصالح في خلق الظروف الموضوعية لانبعاثه. فالحكومة الانتقالية في دمشق تستفيد من عودة التهديد الجهادي لتعزيز شرعيتها الدولية. وبتصوير نفسها بديلاً وحيداً قادراً على محاربة "داعش" وحماية الأقليات من شرّه، تمكنت دمشق من الانضمام إلى التحالف الدولي ضد التنظيم. وهذا منحها غطاءً قانونياً وديبلوماسياً لتجاوز ماضيها المرتبط بـ "هيئة تحرير الشام".  

وغض الطرف جزئياً عن تحركات التنظيم في بعض المناطق قد يخدم دمشق في تسريع تصفية "قسد"، بعد إظهارها عاجزة عن حماية السجون والمناطق، ما استدعى تدخلاً عسكرياً سيادياً، وفي استجلاب الدعم الخليجي والأميركي من خلال ربط استقرار سوريا ومنع عودة "داعش" بتقديم المساعدات المالية ورفع العقوبات الاقتصادية.  

كذلك، ساهمت سياسة الرئيس الأميركي دونالد ترامب ومبعوثه توم براك في إضعاف الخطوط الدفاعية ضد "داعش". فبدفع "قسد" نحو انتحار سياسي أكيد باندماج غير مشروط مع دمشق، خلقت واشنطن حالاً من الإحباط وفقدان التوازن في نفوس الكرد الذين شكلوا رأس حربة في الصراع مع التنظيم عشر سنوات ونيّف. ورغم أن واشنطن ترى في التهديد الجهادي "خطراً محتوماً"، فإنها مقتنعة بإمكانية إدارته من خلال تعاون استخباري مع دمشق، مفضلة ذلك على استمرار دعم كيان كردي يُثير غضب تركيا، ويُعيق استقرار "الدولة السورية الجديدة". 

أما تركيا، فيبقى "داعش" تهديداً ثانوياً في نظرها، مقارنة بمشروع "الإدارة الذاتية" الكردية. وقد شجعت أنقرة الحكومة السورية على سلوك الخيار العسكري ضد "قسد"، بل وفرت الغطاء السياسي واللوجستي للفصائل العربية التي انتفضت ضد الكرد. وحتى لو أدى تفكيك "قسد" إلى زيادة مؤقتة في نشاط "داعش"، فهذا يمثل في الحسابات الاستراتيجية التركية انتصاراً كبيراً، يضمن إبعاد مقاتلي حزب العمال الكردستاني عن حدودها الجنوبية.  

 

صورة جوية لمناورات عسكرية مشتركة بين قوات التحالف الدولي وقوات سوريا الديموقراطية في شمال سوريا. (أ ف ب)
صورة جوية لمناورات عسكرية مشتركة بين قوات التحالف الدولي وقوات سوريا الديموقراطية في شمال سوريا. (أ ف ب)

 

بيد من؟
ليست خيوط المسألة بيد السوريين وحدهم، بل تتحكم بها مجموعة من الفاعلين الإقليميين والدوليين، أعادوا ترتيب أولوياتهم بناءً على الواقع الجديد ما بعد آل الأسد. فواشنطن تتحكّم بخيوط الملف الأمني الحساس، خصوصاً ملف "سجناء داعش"، وعملية نقل 7000 معتقل من سوريا إلى العراق كانت قراراً أميركياً خالصاً لمنع وقوع هذه "الورقة" بيد أطراف غير موثوقة، في خضم الفوضى الناجمة عن تقهقر "قسد". كما يبرز دور براك بصفته حلقة وصل رئيسية بين دمشق وأربيل لتنسيق مرحلة ما بعد "قسد".  

كذلك، تبقى إسرائيل فاعلاً "خلف الستار"، وهدفها استنزاف سوريا لمنعها من التحول إلى تهديد استراتيجي. فتل ابيب مستفيدة من عودة الجهاديين، لأنها تضمن بقاء الجيش السوري الجديد والجيوب الكردية وفصائل المعارضة في حالة صدام دائم، وتُضعف النفوذ الإيراني الذي يحاول إعادة التموضع تحت مسميات جديدة في سوريا.  

إن عودة "داعش" إلى الواجهة اليوم هي العارض الجانبي الأقسى لعملية "تصفية الحسابات" الكبرى في الشمال والشرق السوري. لقد دفع الكرد ثمن طموح تجاوز حدود الممكن الجيوسياسي، بينما استغلت دمشق "الغول" الجهادي لترميم شرعيتها المفقودة. وفي ظل قوى دولية تتحكم بخيوط اللعبة، يظل المواطن السوري الهدف الأول لآلة التطرف التي تتغذى على الفراغ الأمني والظلم السياسي، وعلى أسلمة جارية في هيكل الدولة على قدم وساق. وحدها قدرة الحكومة الجديدة على بناء عقد اجتماعي يتجاوز الانقسامات العرقية والطائفية، ويجفف منابع التطرف بالتنمية الحقيقية لا بالعمليات العسكرية المدعومة دولياً وحدها، هي السبيل إلى دفن التنظيم نهائياً. أظن هذا مستبعدٌ الآن.

الأكثر قراءة

ثقافة 1/29/2026 3:45:00 PM
عودة إلى مسيرة هدى شعراوي، الممثلة السورية التي رحلت عن عالمنا اليوم مقتولةً، بعد أن دخلت الذاكرة الشعبية باسم "أم زكي".
سياسة 1/29/2026 10:35:00 AM
العسكريون المتقاعدون ينتظرون وعداً من سلام لرفع رواتبهم إلى 85 في المئة من قيمتها الفعلية للعام 2019 ويؤكدون أن التصعيد في مقابل عدم الاتفاق.
فن ومشاهير 1/29/2026 3:20:00 PM
شعراوي قُتلِت على يد عاملة المنزل التي لاذت بالفرار عقب الجريمة.
فن ومشاهير 1/29/2026 8:53:00 PM
ما إن فتح أحد الأحفاد الباب حتى شمّ رائحة حريق. دخل مسرعاً بدافع القلق، ليعثر على جدّته ممدّدة على سريرها...