بانتظار "وعد بلفور" كردي!
تاريخ حافل بالنكبات الإنسانية والخيبات السياسية والانتصارات العسكرية، وبمخيلة خصبة راودها كثيراً حلم الدولة الكردية التي يعرف الكرد أنها لا تقوم إلا بأمر القوى الكبرى. فكما نجح "وعد بلفور" في إنشاء دولة إسرائيل، ها هم ينتظرون وعداً ما ينجح بإقامة دولتهم. ربما فات الكرد حتى الساعة أن بلفور وفى بوعده لأن الصهيونية العالمية ربطت بمصير هذه الدولة مصالح الإمبريالية البريطانية أولاً ثم الأميركية ثانياً، فيما يبقون هم في أنظار هاتين الإمبرياليتين وغيرهما مجرد "شركاء تكتيكيين" لا "حلفاء استراتيجيين".

ما كان وعد بلفور تصريحاً سياسياً فحسب، إنما حوّلته الصهيونية العالمية إلى وثيقة قانونية دولية مدرجة في نظام الانتداب بأرشيف عصبة الأمم، وهذا ما زاده قوةً في القانون وفي الجغرافيا. أما الوعود التي أغدقت على الكرد في معاهدة سيفر (1920) بعد الحرب الأولى فبقيت حبراً على ورق، بلا راع دولي ينقلها إلى الواقع الجيوسياسي. إن المواد 62-64 بمعاهدة سيفر صريحة في نصّها منح الكرد استقلالاً ذاتياً في جنوب شرق الأناضول، وفي إتاحة تحول "الذاتي" إلى "كامل" إن رغبت غالبية السكان، وإن رأت عصبة الأمم أن الكرد جديرون بدولة خاصة. إلا أن مصطفى كمال أتاتورك رفض هذه البنود "عسكرياً"، وتمكن من إجهاضها، علماً أن "وعد سيفر" افتقر فعلياً إلى غطاء سياسي بريطاني – فرنسي، إذا كانت لندن وباريس مشغولتان بتأمين مناطق نفوذهما في العراق وسوريا وفلسطين، وفضلتا التصالح مع تركيا القوية على الوفاء بوعودها للكرد. ومن هنا بدأت رحلة التخلي.

إن العلاقة الكردية – الأميركية تجسيد فعلي لمفهوم "الشريك التكتيكي". فرغم وفاء الكرد المستمر والمكين للتحالف مع واشنطن، وجدوا أنفسهم مراراً ضحية تغيّر سلم الأولويات الأميركية، ابتداءً من رفض تطبيق "مبادئ ويلسون" لتقرير المصير بعد الحرب الأولى. وتعدّ حوادث عام 1975 النقطة الأكثر ظلاماً في الذاكرة السياسية الكردية حيال واشنطن. ففي أوائل السبعينات، وبناءً على طلب شاه إيران، قامت الولايات المتحدة من خلال هنري كسينجر بتمويل الثورة الكردية في العراق بقيادة مصطفى بارزاني وتسليحها لإضعاف نظام بغداد الموالي للسوفيات. إلا أن تقرير لجنة "بايك" التابعة للكونغرس كشف لاحقاً أن الإدارة الأميركية حينها لم تنوِ دعم استقلال الكرد، إنما أرادتهم أداة لاستنزاف موارد العراق، لا أكثر. وعندما وقع العراق وإيران اتفاقية الجزائر، أوقفت واشنطن دعمها فجأة ومن دون سابق إنذار، فتعرض مئات الآلاف من الكرد لعمليات انتقامية وإبادة جماعية. حينها، قال كسينجر قوله الشهير: "ينبغي ألا نخلط بين العمل السري والعمل التبشيري"، جواباً على عتب الزعيم الكردي مصطفى البرزاني إذا قال: "على واشنطن مسؤولية أخلاقية وسياسية نحو شعبنا الذي التزم سياسة بلادكم".
تكرر السيناريو نفسه عقب هزيمة "داعش" في سوريا والعراق. بدعم أميركي، كان الكرد القوة البرية الأفعل في مواجهة التنظيم، ولكن واشنطن عارضت بشدة استفتاء الاستقلال الذي أجراه إقليم كردستان العراق في أيلول/سبتمبر 2017. وحين استعادت بغداد بالحشد الشعبي مناطق متنازعاً عليها في كركوك، أدرك الكرد أن حليفتهم واشنطن لا تهتم للطموح القومي الكردي. لكن هذا الإدراك أتى بعدما خسر إقليم كردستان 40% من أراضيه وموارده النفطية الحيوية.

على الجانب الآخر من العالم، علاقة روسيا - القيصرية والسوفياتية والبوتينية - معقدة مع الكرد. فموسكو أيضاً استخدمت الورقة الكردية أداة توازن ضد النفوذ الغربي. فالسوفيات كانوا أول من رعى قيام جمهورية مهاباد الكردية في إيران (1946)، أول دولة كردية مستقلة في العصر الحديث. لكن سرعان ما استجابوا للضغوط الدولية وسحبوا دعمهم هذا، فسحقت مهاباد. وفي 1972، وقع السوفيات معاهدة صداقة مع العراق، فانقلبوا على الثورة الكردية. ففي مسألة التضحية بالكرد على مذبح المصالح، لا فارق بين موسكو وواشنطن.
حسناً. إن تعذر الأمر على واشنطن وموسكو... فهل تنفذه تل أبيب؟ فالدعم الإسرائيلي العلني لاستقلال كردستان (2017) أثار تساؤلات حول طبيعة التحالف الكردي - الإسرائيلي. فنظرياً، تجد إسرائيل في دولة كردية حليفاً استراتيجياً يمكن أن يغير موازين القوى في مواجهة إيران وتركيا. إلا أن الكرد أنفسهم يعلمون أن هذا الدعم وبال عليهم، فالرباعي الإقليمي (تركيا، إيران، العراق، سوريا) سيستخدم هذه الحجة لتصوير القضية الكردية "مؤامرة إسرائيلية لتقسيم المنطقة"، فلا يكسبون إلا المزيد من الأعداء.

قد لا يأتي "الوعد" الذي ينتظره الكرد في صورة "بلفورية" بل في شكل "عقد اجتماعي دولي" يضمن لهم حكماً ذاتياً حقيقياً ومعترفاً به قانونياً تحت مظلة القانون الدولي. فهذا يحميهم من تقلبات السياسات المحلية والأنظمة القمعية. وإلا سيستمرون في مواجهة قدرهم التاريخي: أكبر أمة بلا دولة.
نبض