اتفاق دمشق و"قسد": توحيد الجغرافيا أم إعادة إنتاج الدّولة المركزيّة؟
يتعدّى الاتفاق الذي وقّعته "قوات سوريا الديموقراطية" (قسد) مع دمشق كونه مجرد تسوية موضعية أو ترتيباً تقنياً لمرحلة ما بعد اشتباك محدود، ليظهر كأول محاولة فعلية منذ عقد لتوحيد الأراضي السورية التي كانت تتقاسمها أربع سلطات حكم مختلفة. فالنص، ببنوده وسقفه السياسي وإطاره الدولي، لا يكتفي بإدارة التوتر، بل يستخدم الحدث لتثبيت شكل الدولة وتحديد ما يبقى مركزياً وما يمكن أن يُستثنى.
من هذه الزاوية، لا يبدو الاتفاق تسوية بين قوتين بقدر ما يظهر كإعلان عملي عن اتجاه الدولة المقبلة، دولة تُعيد تأكيد مركزية السلطة والسيادة، وتضبط الاستثناءات الممكنة، وتغلق الباب أمام المطالبات بنماذج الحكم الذاتي أو الفيدرالية، مع الإبقاء على هوامش إدارية وثقافية محكومة بقرار المركز لا بالتفاوض معه.
لغة الاتفاق نفسها لا تترك مجالاً واسعاً للتأويل. فالحديث عن تسليم إداري وعسكري كامل، واندماج المؤسسات المدنية والأمنية ضمن بنية الدولة، ونقل السيطرة على الموارد والمعابر والسجون إلى الحكومة المركزية، يضع البلاد أمام نص يؤسس لمعادلة واضحة: سيادة واحدة، وقرار سياسي واحد، وأجهزة عسكرية وأمنية موحدة. في هذا المعنى، لا يتعامل الاتفاق مع "قسد" بوصفها شريكاً سياسياً، بل قوة جرى استيعابها داخل بنية الدولة وفق شروطها، لا وفق صيغة تفاوضية متكافئة.
في هذا الإطار، تبرز الاستثناءات الواردة في الاتفاق بوصفها استثناءات محسوبة بعناية. فالخصوصية التي مُنحت للحسكة وعين العرب لا تُصاغ بلغة سياسية مفتوحة، ولا تُؤطر دستورياً، بل تُدار بمراسيم رئاسية وترتيبات إدارية وأمنية محدودة. والاعتراف بالحقوق الثقافية واللغوية للكرد، والاحتفاظ بشرطة محلية مرتبطة بوزارة الداخلية، وتعيين محافظ بقرار مركزي، كلها عناصر تشير إلى لامركزية إدارية مضبوطة من الأعلى، لا إلى لامركزية سياسية قابلة للتعميم أو البناء عليها في مناطق أخرى. الاستثناء هنا خاص، مغلق، ومصمم بحيث لا يتحول إلى سابقة.
غير أن ما جرى في شمال شرق سوريا، على وقع اشتباكات تزامنت مع تحركات سياسية مكثفة بلغت ذروتها في اجتماع أربيل الرباعي، قد يبدو للوهلة الأولى كأنه صيغة قابلة للتعميم على باقي الجغرافيا السورية. غير أن هذا التعميم، بقدر ما يسهّل إعادة جمع الأرض، يطرح في الوقت نفسه أسئلة عميقة حول طبيعة المسار السياسي الجاري، وما إذا كان يقوم على إعادة بناء عقد وطني جامع، أم على إدارة التوازنات بالقوة والتفاهمات الخارجية.
ويبرز هذا التوتر بروزاً أوضح في حالة السويداء التي تطالب قيادتها بالانفصال عن الدولة السورية، لا بمجرد حكم ذاتي أو اتحاد فيدرالي. فهنا لا يتعلّق الأمر بهوامش إدارية أو خصوصيات محلية، بل بخطاب سياسي يضع نفسه خارج الإطار الذي يسعى الاتفاق إلى تثبيته، ويكشف حدود قدرة هذا المسار على استيعاب حالات لا ترى في المركز مرجعية قابلة للتفاوض.
ولا شكّ في أن السويداء تجد نفسها اليوم أمام مشهد مختلف عمّا كان مطروحاً قبل أشهر. فالاتفاق يرسل رسالة واضحة مفادها أن الدولة لا تمنح استثناءات سياسية حيث تُرفع المطالب، بل حيث تُفرض بميزان قوة إقليمي ودولي استثنائي.

وفي هذا السياق، تكتسب تصريحات الشيخ حكمت الهجري الأخيرة، ولا سيما تلك التي لمّح فيها إلى إدراج السويداء ضمن نفوذ أو مشروع إسرائيلي، دلالة سياسية ذات أهمية خاصة، ليس لأنها تعكس إجماعاً محلياً، بل لأنها تشير إلى انتقال الخيار القيادي من محاولة الضغط على المركز إلى الرهان على عامل خارجي، بكل ما يحمله ذلك من مخاطر سياسية على وحدة الدولة ومسارها.
ويزداد المشهد تعقيداً إذا ما أُخذ في الحسبان أن السويداء تقع ضمن الجنوب السوري، وهو نطاق تعاملت معه إسرائيل منذ الساعات الأولى لسقوط نظام الأسد بوصفه ساحة ذات أولوية أمنية. هذا المعطى لا يشير إلى مشروع سياسي بديل بقدر ما يعكس مقاربة أمنية مبكرة، تقوم على الضبط والتحكّم ومنع الانفلات، لا على إعادة تشكيل الدولة أو إنتاج كيانات مستقلة.
وتعزّز هذا الانطباع مع ما رشح عن اجتماع باريس بين دمشق وتل أبيب من بحث في قنوات تنسيق أو آلية مشتركة ضمن غرفة عمليات مقرها الأردن. وبينما يرى بعض المراقبين أن تزامن انتهاء اجتماع باريس مع انطلاق معركة الشيخ مقصود ثم تمدد الاشتباكات، بضبط سياسي أميركي وأوروبي واضح، قد يوحي بوجود مقايضة غير معلنة بين الجنوب والشمال، يرى آخرون أن هذا الربط يتعارض مع طبيعة الدور الإسرائيلي كما ظهر في تجارب سابقة، حيث بقي محصوراً في إدارة التوترات الأمنية ومنع انزلاق الحدود إلى فوضى غير محسوبة.
بناءً على ذلك، يميل فريق من المراقبين السوريين إلى الاعتقاد بأن إسرائيل قد تكون قادرة على فرض تحييد أو تهدئة موضعية، لكنها لا تملك القدرة ولا الشرعية لإنتاج صيغة حكم ذاتي أو فيدرالي داخل الدولة السورية، ولا لتحويل السويداء إلى نموذج سياسي موازٍ لما جرى في الشمال الشرقي.
أما الساحل السوري، فيتأثر بالاتفاق على نحو أقل مباشرة، لكنه لا يقل عمقاً. فترسيخ نموذج الدولة المركزية، بعد استيعاب قوة بحجم "قسد"، لا يضيّق فقط هامش الخطاب السياسي القائم على الخصوصية أو اللامركزية، بل يضيّق أيضاً سقف الإصغاء الدولي لأي مطالب تتجاوز الإطار الخدمي أو الأمني. والرسالة الموجّهة إلى الخارج قبل الداخل هي أن الدولة بصدد إعادة جمع الجغرافيا تحت سقف واحد، وأن أي طرح خارج هذا المسار سيُقرأ بوصفه خروجاً عن الاتجاه الذي يجري تثبيته دولياً.
في المحصلة، لا يحسم اتفاق دمشق و"قسد" كل الأسئلة المتعلقة بمستقبل سوريا، لكنه يحسم اتجاهها العام من حيث إعادة جمع الأرض وتثبيت مركزية السلطة. غير أن هذا الاتجاه، على أهميته في إنهاء حالة التشظي، لا يُجيب بذاته عن سؤال الدولة بوصفها عقداً سياسياً، لا مجرد مساحة تُدار أو تُضبط. ففي غياب مسار تفاوضي داخلي يحدّد أسس الشراكة والتمثيل، تبدو التسويات الموضعية، مهما بدت ناجحة أمنياً، أقرب إلى إدارة مؤقتة للهشاشة منها إلى بناء مستدام لدولة ما بعد الصراع. والسؤال الذي يبقى مفتوحاً ليس فقط ما إذا كانت الآليات الإقليمية قادرة على منع عودة التوتر، بل ما إذا كان هذا المسار قادراً أصلاً على إنتاج استقرار سياسي لا يقوم على القوة وحدها.
نبض