من فشل اجتماع دمشق إلى انفلات السجون: شرق سوريا أمام اختبار سياسي–أمني مفتوح

المشرق-العربي 20-01-2026 | 19:00

من فشل اجتماع دمشق إلى انفلات السجون: شرق سوريا أمام اختبار سياسي–أمني مفتوح

لا يمكن الجزم بما إذا كان ما حدث في الشدادي يمثل حادثاً أمنياً جرى احتواؤه، أم بداية انفلات تدريجي يمتد من السجون إلى بنية التفاهم السياسي نفسها.
من فشل اجتماع دمشق إلى انفلات السجون: شرق سوريا أمام اختبار سياسي–أمني مفتوح
ملابس السجناء ملقاة على الأرض في سجن الشدادي عقب هروبهم. (أ ف ب)
Smaller Bigger

في اللحظة التي كان يُفترض فيها أن يبدأ تنفيذ الاتفاق بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديموقراطية (قسد)، انفجر أول اختبار حقيقي لهذا الترتيب الهش.

 

لم يمضِ يوم واحد على توقيع الاتفاق حتى دخلت مناطق الجزيرة السورية في حالة استنفار، مع الإعلان عن فرار معتقلين من تنظيم "داعش" من سجن الشدادي، وما تلاه من اشتباكات وتحركات عسكرية في محيط الحسكة وعين العرب (كوباني)، لتتحول المنطقة سريعاً من مسار تفاوضي إلى مشهد مفتوح على احتمالات التصعيد.


جاء هذا التطور الأمني في توقيت بالغ الحساسية، إذ تزامن مع الاجتماع الذي عُقد في دمشق بين الرئيس أحمد الشرع وقائد "قسد" مظلوم عبدي، وهو اجتماع كان يُفترض أن يكون بروتوكولياً لتثبيت اتفاق أُعلن عنه في اليوم السابق. غير أن الاجتماع انتهى بصمت ثقيل، من دون بيان رسمي، قبل أن تتحدث مصادر كردية عن فشله. ومع هذا الفشل، اتجهت الأنظار مباشرة إلى السجون بوصفها نقطة الاشتعال الأولى، وإلى الحسكة وعين العرب بوصفهما آخر معاقل "قسد" التاريخية، حيث بدأت القيادة الكردية تتحدث عن "معركة وجود"، وعن استعداد لتحويل المدينتين إلى "مقتلة للدواعش الجدد" إذا حاولت دمشق دخولهما بالقوة.

 


لم تكن سجون تنظيم "داعش" يوماً مجرد منشآت احتجاز. فمنذ سنوات، تحوّلت إلى عقدة سيادية وأمنية وسياسية في آن واحد: ورقة شرعية بيد "قسد"، ومبرراً لاستمرار الوجود الأميركي، وملفاً شديد الحساسية لدمشق، ومؤشراً تراقبه العواصم الغربية بوصفه مقياساً للسيطرة والانضباط. أي خلل في هذا الملف لا يُقرأ كحادث أمني معزول، بل كإشارة إلى اهتزاز الترتيبات التي قامت عليها مرحلة ما بعد "الخلافة"، وإلى قابلية هذه الترتيبات للاختبار أو الانهيار.


في الشدادي، أعلنت وزارة الداخلية السورية أن نحو 120 عنصراً من التنظيم فرّوا من السجن، جرى توقيف 81 منهم لاحقاً، فيما تتواصل عمليات التمشيط. في المقابل، اتهمت "قسد" جماعات مسلحة مرتبطة بالحكومة السورية بمهاجمة السجن، كما حمّلت التحالف الدولي مسؤولية عدم الاستجابة لنداءات الاستغاثة. غير أن رد الفعل الأميركي، سواء عبر التحالف أو من خلال تسريبات إعلامية، أوحى بأن ملف السجون لم يعد يحظى بالأولوية نفسها، ولا سيما بعد الحديث عن نقل العناصر "الأكثر خطورة" خلال الأسابيع الماضية، والإبقاء على معتقلين من الرتب الدنيا فقط، في مقاربة بدت أقرب إلى الاحتواء منها إلى التحذير.


أما اجتماع الشرع وعبدي، فقد أظهرت التسريبات المتضاربة أن الخلاف لم يعد تقنياً أو إدارياً، بل بات خلافاً على طبيعة الترتيب نفسه. فدمشق تتعامل مع الاتفاق بوصفه مدخلاً لإنهاء استثناء "قسد" وبسط السيطرة الكاملة، فيما ترى "قسد" فيه إطاراً للاندماج لا لتصفية الكيان السياسي–العسكري الذي نشأ خلال سنوات الحرب. وبين هاتين المقاربتين، بدا واضحاً أن الثقة السياسية لم تُبنَ بعد، وأن التنفيذ الميداني سبق التفاهم السياسي، ما فتح فراغاً نفسياً وأمنياً داخل البيئة الكردية، تُرجم سريعاً باحتجاجات شعبية وإعلان "النفير العام".


ورغم أن المشهد بدا، في ظاهره، صراعاً سورياً–كردياً على إدارة مرحلة ما بعد الاتفاق، فإن خلفيته الإقليمية والدولية كانت حاضرة بقوة. فقد تابعت تركيا التطورات بصمت مريح، في وقت بدا تراجع "قسد" ميدانياً منسجماً مع أهداف أنقرة في تفكيك بنيتها العسكرية والإدارية، من دون تدخل مباشر. أما واشنطن، فظهرت مواقفها متباينة: صمت رسمي من البيت الأبيض، اتصال بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب والشرع تحدثت دمشق عن أنه تناول "حقوق الشعب الكردي"، مقابل روايات كردية تشير إلى طلب أميركي بعدم دخول الحسكة، وتحذيرات من السيناتور ليندسي غراهام بشأن "التخلي عن الحلفاء"، في مقابل تسريبات أميركية تقلل من خطورة ما جرى في السجون. هذا التباين كشف أن الموقف الأميركي ليس رواية واحدة، بل شبكة مصالح ومراكز قرار، بعضها يسعى إلى احتواء التصعيد، وبعضها يضغط على "قسد"، وبعضها يخشى أن يؤدي انهيارها إلى فراغ تستفيد منه دمشق أو أنقرة.


ومع انتقال التوتر إلى الحسكة وعين العرب، بدأت ملامح تصعيد جديد تتشكل. فهاتان المدينتان تمثلان بالنسبة لقوات سوريا الديموقراطية "الحصن الأخير"، والانسحاب منهما يعني نهاية مشروعها السياسي. لذلك بدا خطابها أكثر حدّة، وترافقت تحركاتها الميدانية مع موجة احتجاجات كردية في أربيل ومدن تركية وأوروبية، أعطت الأزمة بُعداً عابراً للحدود لم يكن حاضراً في أيامها الأولى.

 

أكراد يشاركون باحتجاج في برلين ضد الزيارة المقررة للرئيس السوري أحمد الشرع إلى ألمانيا. (أ ف ب)
أكراد يشاركون باحتجاج في برلين ضد الزيارة المقررة للرئيس السوري أحمد الشرع إلى ألمانيا. (أ ف ب)

 

ورغم خطورة ما جرى، لم يواكب التطورات اهتمام غربي واسع، ما فتح الباب أمام قراءتين متناقضتين: إما أن العواصم الغربية ترى أن ما يجري قابل للاحتواء ولا يستدعي التصعيد، أو أنها تفضّل عدم تضخيمه إعلامياً وسياسياً بانتظار اتضاح مآلات التفاهمات بين دمشق وواشنطن وأنقرة.


حتى الآن، لا يمكن الجزم بما إذا كان ما حدث في الشدادي يمثل حادثاً أمنياً جرى احتواؤه، أم بداية انفلات تدريجي يمتد من السجون إلى بنية التفاهم السياسي نفسها. السيناريوات لا تزال مفتوحة: استعادة السيطرة الكاملة على السجون، اتساع الاحتجاجات الكردية، دخول الحسكة في مواجهة مباشرة، أو تحوّل التصعيد إلى ملف إقليمي مع اتساع دائرة التوتر الكردي في العراق وتركيا. المؤكد أن شرق سوريا دخل مرحلة اختبار مركّب، تُختبر فيه السجون، والضمانات السياسية، والعلاقة بين قسد وواشنطن في وقت واحد، وأن أي فشل في إدارة هذه العقدة قد يحوّل حادثاً موضعياً إلى أزمة أوسع تمسّ الاستقرار الهش في المنطقة برمتها.


الأكثر قراءة

العالم العربي 1/19/2026 1:19:00 PM
علمت "النهار " أن فرنسا ستساعد الجيش اللبناني على وضع استراتيجية يقدمها للمؤتمر، لا تشمل فقط لائحة معدات وتمويل ولكن استراتيجية لنزع السلاح في كل البلد 
المشرق-العربي 1/18/2026 10:56:00 PM
تهيئة الظروف الملائمة للمشاريع الاقتصادية والتنموية.
المشرق-العربي 1/19/2026 5:12:00 AM
اشتباكات عنيفة بين "قسد" والجيش السوري في محيط سجن الأقطان بالرقة.
المشرق-العربي 1/19/2026 12:16:00 PM
المخابرات التركية كانت على تواصل مع الولايات المتحدة والحكومة السورية قبل إبرام الاتفاق.