عبدالله أوجلان: ثوري مسلح فسجين مفكر... هل يؤثر في المعادلة الكردية - السورية؟
من زنزانة انفرادية في سجن إيمرالي التركي على جزيرة معزولة في بحر مرمرة، يستمر القائد الكردي عبدالله أوجلان، أو "آبّو" - وفق ما يناديه رفاقه - في الإلقاء بظلّه الطويل على واحدة من أشدّ قضايا الأقليات في الشرق الأوسط تعقيداً: القضية الكردية. فرغم اعتقاله منذ عام 1999، تبقى أفكار مؤسّس حزب العمال الكردستاني، المصنف إرهابياً في تركيا والعديد من الدول الأخرى، حاضرة بقوة، خصوصاً في الشمال السوري، حيث تُطبَّق رؤيته لما سماه "الكونفيدرالية الديموقراطية" على أرض الواقع.
اليوم، في ظل حكومة سورية جديدة، يقودها أحمد الشرع، والتوازنات الإقليمية المتغيرة، السؤال المطروح: أي دور يمكن أوجلان أن يؤديه اليوم؟ وهل يمكن أفكاره أن تشكّل جسراً لحلّ سياسي ما؟
"آبّو" الكردي الماركسي
وُلد عبدالله أوجلان في عام 1948 في قرية أومرلي الفقيرة، الواقعة في محافظة أورفة (شانلي أورفا)، جنوب شرقي تركيا. وفي جامعة أنقرة، درس العلوم السياسية، وانغمس عميقاً في رومانسية سبعينيات القرن الماضي الثورية، متأثراً بالماركسية - اللينينية والحركات التحررية العالمية، فتشكلت هويته ناشطاً كردياً في إطار إيديولوجي أمميّ أوسع من القضية الكردية. حينها، كتب وثائق ثورية عدّة، لعلّ أهمّها وثيقة بعنوان "تقييمات حول الإمبريالية والاستعمار"، فشكّلت أساساً نظرياً لحركة كردية همّها التحرر من الاستعمار والقومية التركية.
في عام 1978، أسس أوجلان حزب العمال الكردستاني، وأراده منظمة ماركسية - لينينية، هدفها الأخير إقامة دولة كردية مستقلّة، تلمّ أكراد تركيا والعراق وسوريا وإيران. وفي عام 1984، أشعل شرارة التمرّد المسلح ضد الدولة التركية، مبتدئاً صراعاً دامياً تحوّل إلى أحد أطول الحروب الأهلية في المنطقة، بثمن بشريّ تجاوز الـ 40 ألف قتيل، جلّهم من الأكراد.

في فجر 15 شباط/فبراير 1999، اختفى أوجلان من شقة اعتقدها آمنة في نيروبي الكينية. وبعد ساعات، ظهر على شاشات التلفزيون التركي مقيّداً ومعصوب العينين، وحوله جنود أتراك. لم يعتقل أوجلان بعملية استخبارية عادية، إنما في لحظة مفصليّة أعادت رسم معادلات الصراع الكردي – التركي. قبل اعتقاله، كان أوجلان رجلاً مطارداً بلا وطن. ففي تشرين الأول/أكتوبر 1998، وبعد تهديد تركي جدي بغزو سوري، طردته دمشق بعدما أقام فيها نحو 18 عاماً. رفضت موسكو منحه لجوءاً سياسياً، لكن السفارة اليونانية هناك آوته، ثم نقلته السلطات في أثينا إلى كينيا لينتظر دولةً تؤويه. في هذه الرحلة، كان على الدوام محطّ أنظار أجهزة الاستخبارات التركية والأميركية وغيرها، فاصطاده الأتراك في شقة وفّرتها وحمتها أثينا.
محاكمة فاتفاق
حوكم أوجلان في أنقرة، وحُكم عليه بالإعدام، ثم خُفّف الحكم إلى السجن المؤبد بعد إلغاء عقوبة الإعدام في تركيا في عام 2002. وبسجنه، فقدت الحركة الكردية واحداً من أكثر قادتها إثارة للجدل.
في عزلته بالزنزانة التركية، حدث تحول جذري في فكره، إذ تخلى تدريجاً عن هدفه بإقامة الدولة القومية الكردية، وانحرف إلى فلسفة جديدة أطلق عليها اسم "الكونفيدرالية الديموقراطية"، استوحاها جزئياً من أفكار المنظر الاجتماعي موراي بوكتشين، وتقوم على بناء مجتمعات محلية ديموقراطية بدلاً من السعي إلى دولة مركزية، أي اللامركزية والإدارة الذاتية، وعلى ربط التحرر القومي بالتحرر البيئي والنسوي، معتبراً الهيمنة الذكورية واستغلال الطبيعة وجهين لعملة واحدة، هي الهيمنة السلطوية. ودعا إلى قيام مجتمع يكون فيه الأكراد والأتراك والعرب وغيرهم شركاء في إدارة المنطقة، من دون هيمنة أو إقصاء، حتى أنه ألّف في سجنه مؤلّفات عدة، ربما يكون أهمّها مؤلفه "مانيفستو الحضارة الديموقراطية"، الذي تحوّلت أفكاره إلى منطلق لتجارب كردية عدّة، خصوصاً في الشمال السوري. وانتهى به الأمر إلى إطلاق دعوته لحلّ القضية الكردية في المنطقة بالحوار، وإلى نزع السلاح ووقف الأعمال العسكرية.

بعد مفاوضات شبه سرية مع السلطات التركية دامت عامين (2013-2015)، قَبِل أوجلان التخلّي عن مطالبة حزبه بالانفصال الكردي، وطلب إلى مقاتليه الانسحاب من تركيا، وأعلن تحوّل الحزب إلى حركة سياسية، مع إدانة العنف الكردي ضد تركيا علناً.
معادلة مستحيلة
في الوقت الذي كان أوجلان يقبع فيه خلف القضبان، طبقت الإدارة الذاتية لمناطق شمالي شرقي سوريا، ووحدات حماية الشعب الكردية التي تشكل العمود الفقري لـ"قوات سوريا الديمقراطية" (قسد)، نموذجاً قريباً من أفكاره في شمال شرقي سوريا. لكن المشهد اليوم محفوف بتحديات جمّة مع صعود الحكومة السورية الجديدة بقيادة أحمد الشرع، إثر انهيار النظام البعثي الذي حكم سوريا 53 عاماً.
لقد نجح الإقليم الكردي في سوريا، تحت مظلة هذه الإدارة الذاتية، في بناء نموذج حكم لامركزي فريد، تميّز بمشاركة نسوية لافتة، وتجربة تعددية نسبية. ثمة من يصف هذا النموذج بـأنه التطبيق العملي الأوضح لأفكار أوجلان في الكونفيدرالية الديموقراطية.
ترى دمشق في الإدارة الذاتية تهديداً لسيادتها على كامل التراب السوري، وموقفها الرسمي رافض لأيّ شكل من أشكال الفيدرالية أو الحكم الذاتي الإقليمي. مع ذلك، الواقع العسكري - الجغرافي يحتّم نوعاً من التعايش الموقت. هنا، قد تقدم فكرة الكونفيدرالية الديموقراطية حلاً وسطاً نظرياً، أي بقاء إدارة محلية تحت السيادة السورية العليا، فيما الهوة كبيرة بين الطرفين.
لا دولة أشد عداءً لأوجلان وفكره من تركيا. فأنقرة تراه حتى الساعة "الإرهابي رقم واحد"، وتنظر إلى أي نموذج نابع من أفكاره في سوريا بوصفه امتداداً لحزب العمال الكردي، وتهديداً أمنياً وجودياً. فقد نفذت تركيا ثلاث عمليات عسكرية كبرى في شمالي سوريا تحت شعار "محاربة الإرهاب"، والقضاء على "المشروع الانفصالي". لذا، رأينا صوره تُمزق في المناطق التي تقدمت إليها القوات الحكومية السورية في دير الزور وغيرها، وأي حديث عن دور لأوجلان، حتى كمرجعية فكرية في أي مفاوضات، يثير ردة فعل تركية رافضة، ويُعقد أي تسوية.
في المستقبل: أي دور ممكن؟
السيناريو الأكثر ترجيحاً هو استمرار أفكار أوجلان، المجسدة في كتبه، في توجيه الممارسة السياسية للإدارة الذاتية في سوريا، إن بقيت، بينما يبقى هو نفسه شخصية غير مقبولة بسبب الضغط التركي.
ربما يتحول أوجلان إلى ورقة تفاوض خفية، إذ قد تستخدم دمشق استعداد الأكراد للتخلي عن فكرة الانفصال - كما دعا أوجلان - كورقة ضغط في مفاوضاتها معهم، رغم أن أفكاره تنسجم مع فكرة بقاء سوريا موحدة، ولو لا مركزياً. لكن هذا يتطلب براغماتية عالية من الشرع وأركان نظامه، خصوصاً في قضايا أسياسية بالنسبة إلى الأكراد، كمستوى الاندماج المطلوب من الإدارة الذاتية وكوادرها السياسية والاقتصادية والاجتماعية وحتى العسكرية في الهيكل التنظيمي للدولة السورية. الخطوة الأولى كانت المرسوم الذي أعلنه الشرع أخيراً. فربما يكون الأساس في ما يمكن له أن يمثل خريطة طريق فعلية نحو سوريا تعدّدية موحّدة، يمكن نمذجتها لتصلح حلاً في الشمال أولاً، ثم في منطقتي الساحل والجنوب، حيث تستعر نزعتان انفصاليتان تهددان – مع ضيق صدر الدولة - وحدة الكيان السوري.
نبض