سوريا بين النار والتسوية: دمشق تضغط عسكرياً والأكراد يطالبون بضمانات
يبدو أن صوت الرصاص بات أعلى من دعوات الحوار لحلّ الخلافات بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديموقراطية (قسد)، في ظل تحشيد عسكري ضخم في شرق حلب من الجانبين، بعد أن حسم الجيش السوري واقعة الشيخ مقصود والأشرفية لصالحه، وأعلن أمس الثلاثاء دير حافر ومسكنة وبابيري مناطق عسكرية مغلقة، داعياً القوات الكردية إلى الانسحاب باتجاه شرق الفرات.
في ظلّ هذا التطوّر، يبدو جليّاً أن حكومة الرئيس السوري أحمد الشرع قد اتخذت قرارها بإخلاء مدينة حلب من المقاتلين الأكراد، وحصر تواجدهم في منطقة الجزيرة (الحسكة والقامشلي)، ما يفتح الباب أمام احتمال حدوث مواجهة كبيرة بين الجانبين، إذا ما رفضت "قسد" الامتثال لذلك، وفي ظل غياب أي إمكانية لتنفيذ اتفاق 10 آذار/مارس الذي يبدو أنه بات بحكم "الميت سريرياً"، رغم الحديث الصادر عن قيادات في الإدارة الذاتية و"قسد" بأنهم منفتحون على الحوار.
إلهام أحمد: منفتحون على الحوار
تقول إلهام أحمد، الرئيسة المشتركة لدائرة العلاقات الخارجية في الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا، لـ"النهار"، إنّ "الوضع حرج وصعب للغاية بسبب نزيف الدم بيننا وبين الحكومة، إنما نحن منفتحون على الحوار والمفاوضات، شرط الاعتراف بما حدث وإيقاف الهجمات فوراً".
وتضيف: "يجب توفير الأمن للسكان في المناطق الكردية، وإذا توفرت هذه الضمانات سنستأنف المفاوضات بمشاركة الأمم المتحدة والمنظمات الدولية."
وتتابع: "نرصد حشوداً عسكرية كبيرة في مناطق مثل مسكنة ودير حافر ومحيطهما، حيث يوجد أكثر من 40 ألف مسلح تابعين لهذه التشكيلات (في إشارة إلى الجيش السوري). هؤلاء يحاصرون هذه المناطق ويستعدون لعمليات جديدة... الحكومة السورية الحالية تصرّ على الحل العسكري، وعلى فرض إرادتها بالسلاح. هذا النهج لن يؤدي إلا إلى فوضى كبرى لن تقتصر على سوريا، بل ستمتد إلى العراق وتركيا وكل المنطقة".
تصرّ أحمد على الضامن الدولي لأي حوار أو اتفاق مع دمشق، إذ "لا توجد ضمانات أو تشريعات لحماية الأكراد في الدستور السوري"، كما أن الحكومة "لم تشكّل وفداً تفاوضياً حقيقياً، ترفض النقاش الجاد، وتطرح منطقاً واحداً فقط: استسلموا، وسنقرر نحن ماذا نعطيكم"، مشيرة إلى أنّ هذا "هو نفس منطق النظام السابق، الذي حكم سوريا بالاستبداد وانتهى بحرب أهلية".

استياء من واشنطن
التحذير من انفجار الوضع وانتشار النيران في المنطقة يُبرز خطورة الموقف. فهل من حلّ أو ضمانات قيد التداول؟
لا يبدو ذلك ممكناً في الوقت الراهن، فـ"الصديق" الأميركي يكتفي بالمشاهدة وبمحاولة تدوير الزوايا، دون بذل جهد حقيقي لإيقاف المعارك بين الجانبين حتى الآن.
ويُستشف من كلام أحمد استياء واضح حيال موقف واشنطن من معركة الشيخ مقصود والأشرفية، إذ تقول في إحدى إجاباتها إنّه "على الممثل الخاص الأميركي توم براك أن يوضح موقفه ضد هذه الهجمات.
الحكومة السورية استهدفت الأحياء المدنية أثناء المفاوضات، ولم تُدن الولايات المتحدة هذه الهجمات بشكل واضح، بل طالبت قسد فقط بالانسحاب خطوة للخلف". وتضيف: "لا يمكن القبول بأن نقاتل داعش مع الولايات المتحدة من جهة، وفي الوقت نفسه نُترك وحدنا أمام هذه الهجمات من جهة أخرى... هذا موقف مزدوج وغير مقبول".
حتى أن الطلب الأميركي من "قسد" الانسحاب من غرب الفرات إلى شرقه لم يترافق مع أي ضمانات. تؤكد أحمد: "في كل مرة يُطلب منا الانسحاب، لا يتم تقديم أي ضمانات. الشرط الوحيد هو حماية المدنيين، كما حدث في الشيخ مقصود وأشرفية، لكننا شاهدنا مذبحة المدنيين من قبل الجيش."
وعليه لا يمكن التنبؤ ما إذا كانت الحملة العسكرية التي تشنها دمشق على "قسد" ستقف عند غرب النهر فقط.

رؤية دمشق: الحسم أولاً ثم السياسة
من جهتها، لا يبدو أن دمشق تتعامل مع المواجهة الحالية بوصفها اشتباكاً موضعياً، بل كجزء من خطة أوسع لإعادة ترتيب الخريطة العسكرية والسياسية في الشمال الشرقي.
يقول مصدر رسمي سوري، لـ"النهار"، إن إعلان دير حافر ومسكنة وبابيري مناطق عسكرية مغلقة، والدعوة الصريحة لقوات "قسد" إلى الانسحاب شرق الفرات، يعكسان "توجهاً رسمياً لحصر الوجود الكردي المسلح في نطاق جغرافي محدد"، تمهيداً لإعادة دمجه لاحقاً ضمن بنية الدولة.
ومن منظور الحكومة السورية، فإن هذا الخيار لا يهدف فقط إلى استعادة السيطرة، بل إلى تفكيك ما تعتبره بنية "غير سورية" داخل "قسد"، أي الشبكات المرتبطة بـ"حزب العمال الكردستاني"، والتي ترى دمشق أنها تشكل العقبة الأساسية أمام أي تسوية سياسية حقيقية. لذلك، فإن التصعيد العسكري الحالي يُستخدم، وفق هذا المنطق، كأداة ضغط لإجبار الطرف الآخر على القبول بإعادة هيكلة وجوده العسكري والسياسي.
وهذا منطق يرفضه الأكراد بدورهم، إذ تقول أحمد إنه "في كل مرة يستخدمون حزب العمال الكردستان كذريعة للهجوم. لقد حلّ الحزب نفسه وهناك عملية سلام تجري في تركيا بين الجانبين. لكن في سوريا، يستخدمون هذه الحجة وكأن هناك قوات من العمال الكردستاني".
خلاصة القول، ما يبدو مواجهة مفتوحة على ضفتي الفرات، ليس في نظر الحكومة السورية سوى مرحلة انتقالية بين مسارَين: تصعيد ميداني واسع لكن محسوب، وتسوية سياسية تُفرض من موقع القوة. وبينما تتحدث قيادات "قسد" عن انفتاح على الحوار، ترى دمشق أن ميزان القوى بعد الشيخ مقصود يسمح لها بإعادة رسم شروط المفاوضات، بحيث لا يكون اتفاق 10 آذار سوى صفحة طُويت، لحساب ترتيبات جديدة تُبنى على الوقائع التي تُصنع اليوم على الأرض.
نبض