من شوارع طهران إلى حسابات بغداد: كيف يقرأ العراقيون الاحتجاجات الإيرانية؟
ينظر مراقبون عراقيون إلى الاحتجاجات الجارية في إيران بوصفها حدثاً يتجاوز حدوده الداخلية، لما لطهران من تأثير مباشر في أمن المنطقة واستقرارها. فالعراقيون، الذين خبروا تبعات الفوضى والتدخلات الخارجية، يتابعون المشهد الإيراني بحذر، خشية انزلاق الأزمة نحو مسارات سياسية وأمنية مفتوحة.
وفي ظل الزجّ باسم العراق في بعض الخطابات الإعلامية، تؤكّد الرؤية العراقية أن بغداد ليست طرفاً في ما يجري داخل إيران، ولا مصلحة لها في زعزعة استقرار جارتها، بل ترى أن أي اضطراب واسع هناك ستكون له ارتدادات مباشرة على العراق أمنياً واقتصادياً.
ودخلت الاحتجاجات الإيرانية يومها السادس عشر، وسط تراجع نسبي في زخم التظاهرات داخل العاصمة طهران وعدد من المدن الكبرى، بحسب مراسلين ووسائل إعلام، مقابل استمرار الانقطاع شبه الكامل للإنترنت، ما حدّ من تدفّق المعلومات المستقلة.
وبرز العراق بوصفه إحدى الساحات التي حاولت المعارضة الإيرانية في الخارج الزجّ باسمه في تطورات المشهد الإيراني. فقد كثّفت منصات إعلامية معارضة، أبرزها "إيران إنترناشيونال"، تقارير تتحدث عن مشاركة فصائل مسلّحة عراقية في مساعدة السلطات الإيرانية على احتواء الاحتجاجات، وهو ما نفته جهات عراقية بشكل قاطع.
وأعربت وزارة الخارجية الأميركية، عبر حسابها الناطق بالفارسية على منصة "إكس"، عن "قلق بالغ" إزاء تقارير تشير إلى استعانة طهران بقوى حليفة خارجية، من بينها عناصر مرتبطة بـ"حزب الله" اللبناني وفصائل مسلّحة عراقية، لقمع الاحتجاجات.
ويؤكد الأمين العام لـ"كتائب أبو الفضل العباس" المنحلّة الشيخ أوس الخفاجي، في تصريح لـ"النهار"، أن هذه الاحتجاجات ليست وليدة اللحظة، بل هي امتداد لسلسلة احتجاجات شهدتها إيران خلال السنوات الخمس الماضية بسبب الوضع الاقتصادي والعوامل الداخلية، ويشدد على أن الأجهزة الأمنية الإيرانية "لا تحتاج إلى أي مشاركة خارجية لمعالجة الوضع"، نافياً بشكل صريح أي دور عراقي، لا في قمع الاحتجاجات ولا في دعمها.
ويعبّر الخفاجي عن قلق عراقي مشروع من "احتمالات الارتدادات" في حال تصاعد الأزمة، داعياً طهران إلى "معالجة الأسباب الداخلية للاحتجاجات"، وتقليل تدخلها في شؤون دول الجوار، ومنها العراق، وحصر علاقاتها بالإطار الديبلوماسي، بما يحفظ التوازن الإقليمي ويجنّب المنطقة مزيداً من التوتر.

من جهته، يرى الأكاديمي والباحث في الشأن السياسي الدولي الدكتور عباس عبود، في قراءة لمآلات الاحتجاجات، أن "حق التظاهر مكفول لكل الشعوب"، لكن توقيت الاحتجاجات وطبيعة الغطاء الدولي المصاحب لها، والتصعيد الذي طال الرموز الدينية والمؤسسات، يثير تساؤلات حيال "هوية الحراك واتجاهاته".
ويحذّر عبود، في تصريح لـ"النهار"، من أن "سقوط النظام الإيراني، في ظل التعقيدات القومية والإثنية والتدخلات الخارجية، قد يفتح الباب أمام سيناريوات الفوضى والحرب الأهلية، بما يحمله ذلك من ارتدادات خطيرة على العراق ودول الخليج، سواء عبر موجات لجوء أم تصاعد النزاعات الإقليمية". ويشير إلى أن الاحتجاجات الإيرانية ليست شأناً داخلياً خالصاً، إنما تشكّل حدثاً إقليمياً بامتياز، تتقاطع فيه الحسابات الدولية مع المخاوف العراقية.
وبين نفي بغداد لأي دور ميداني وقلقها من التداعيات المحتملة، يبقى العراق معنياً بمتابعة التطورات بحذر، انطلاقاً من موقعه الجغرافي وتشابك مصالحه مع الجار الإيراني، وسعياً للحفاظ على استقراره في منطقة تعيش واحدة من أكثر مراحلها حساسية.
نبض