من طهران وموسكو إلى الخليج: تحوّل النفوذ الاقتصادي في سوريا

اقتصاد وأعمال 12-01-2026 | 16:51

من طهران وموسكو إلى الخليج: تحوّل النفوذ الاقتصادي في سوريا

يُنظر إلى سقوط النظام على أنه ضربة حاسمة أضعفت مسار النفوذ الفارسي الإقليمي الذي كان يربط طهران بدمشق مروراً ببغداد وبيروت.
من طهران وموسكو إلى الخليج: تحوّل النفوذ الاقتصادي في سوريا
الرئيس السوري أحمد الشرع يحضر مراسم توقيع اتفاقية بين سوريا وائتلاف طاقة قطري أمريكي تركي، في دمشق. (سانا)
Smaller Bigger

أنطوني نعيم

يشهد النفوذ الاقتصادي في سوريا تحوّلاً جيوسياسياً يتمثل في تراجع هيمنة الداعمين السابقين وظهور تركيا ودول الخليج العربي كقوى إقليمية تقود سفينة الاستثمار وإعادة الإعمار. لقد شهد تأثير روسيا وإيران انخفاضاً ملموساً في الساحة الاقتصادية السورية ليفسح المجال أمام استراتيجية دبلوماسية ومالية تهدف إلى دمج سوريا في كتلة إقليمية جديدة محورها الخليج.

مما لا شك فيه أن التوجه السياسي والمالي في دمشق قد تغيَّر مع سقوط نظام الأسد، حيث يُلاحظ تراجع لنفوذ روسيا المنهمكة في تبعات الحرب الأوكرانية والعاجزة عن المنافسة المالية. فقد ألغت الحكومة السورية الجديدة عقد إدارة ميناء طرطوس المبرم مع شركة روسية وأوكلت هذه المهمة إلى شركة إماراتية، أما مرفأ اللاذقية فبات تحت إشراف مجموعة فرنسية. في السياق نفسه، تضاءلت قوّة طهران في سوريا رغم استثماراتها المقدّرة بين 30 و50 مليار دولار لدعم الحكومة السابقة، وتلاشت طموحاتها الاقتصادية وتوقفت مشاريعها الكبرى كلياً بفعل انتقال السلطة.

يُنظر إلى سقوط النظام على أنه ضربة حاسمة أضعفت مسار النفوذ الفارسي الإقليمي الذي كان يربط طهران بدمشق مروراً ببغداد وبيروت، فإيران تواجه صعوبة في التكيُّف مع الحكومة الجديدة التي أعلنت رفضها للتدخلات الخارجية وألغت عدداً من الاتفاقيات التي كانت تربط البلدين. تجدر الإشارة إلى أن مع انشغال روسيا في صراعات أخرى، عملت موسكو على تخفيض الدعم لحلفائها في سوريا، ما أثّر بشكل غير مباشر على قدرة إيران على المناورة فاصطدمت بالدور التركي – العربي، الراغب بإعادة الإعمار.

 

مواطن سوري يستعرض ورقة نقدية جديدة أصدرها ووزعها البنك المركزي في دمشق. (أ ف ب)
مواطن سوري يستعرض ورقة نقدية جديدة أصدرها ووزعها البنك المركزي في دمشق. (أ ف ب)

 

إثر انهيار النظام تحركت دول الخليج بسرعة ضمن نطاق غير مسبوق، حيث قادت سباقاً جيوسياسياً للسيطرة على الواقع السوري من خلال استثمارات ضخمة وموجّهة بطريقة استراتيجية. وللإضاءة بالأرقام والوقائع يتبيّن أن المملكة العربية السعودية تعهّدت بأكثر من 6 مليارات دولار في اتفاقيات شملت قطاعات حيوية مثل الطاقة والبنية التحتية والاتصالات والمصارف، بالإضافة إلى استثمار أكثر من مليار دولار في الأنظمة الرقمية. أما قطر فظهرت كشريك رئيسي في ائتلاف للطاقة بقيمة 7 مليارات دولار، وتقود حالياً مشروع تحديث وتوسعة مطار دمشق الدولي بقيمة 4 مليارات دولار. من ناحية أخرى تسعى الإمارات لتطوير المرافق البحرية باستثمار يناهز 800 مليون دولار إلى جانب مشروع لإنشاء شبكة مترو في دمشق وتحسين شبكة الأنفاق.

والجدير بالذكر أن تلك الدول تعمل على خلق نفوذ طويل الأجل من خلال السيطرة على بوابات سوريا الرئيسية من موانئ، ومطارات واتصالات، ما سيقيّد توجّه البلاد الاقتصادي والسياسي للعقود القادمة. وإذا أردنا البحث عن مسار الصين فنجد أنها تبنّت نهجاً حذراً يركز على تأمين مواقع طويلة الأجل في المراكز اللوجستية والصناعية عبر تطوير مناطق التجارة الحرة.

في شأن متّصل لا بد من التركيز على نشاطات البنك الدولي وصندوق النقد اللذين ساهما في مشاريع تهدف إلى تحقيق تأثير عالٍ برأس مال منخفض لمعالجة المتطلبات الاجتماعية والإنسانية العاجلة. ومن هذه الأعمال تنفيذ أنظمة ريّ لصغار المزارعين، ما يساهم في تحقيق الأمن الغذائي واستدامة الموارد، كذلك استيراد وتوزيع الأدوية والمعدات الطبية بهدف إعادة بناء الخدمات الأساسية وتلبية الاحتياجات الإنسانية الفورية، فضلاً عن مراكز تدريب مهني للمساعدة في بناء قدرات محلية. هذا الدعم المقدّم من المنظمات الدولية أدّى حتماً إلى استقلالية من هيمنة حلفاء النظام السابق وشجّع دولاً أخرى للمساهمة في هذه المشاريع.

بشكل عام، يبدو أن سوريا تتجه بثبات نحو الاعتماد على القوة المالية والاستثمارية لدول المنطقة، ما يضع الأساس لتحالفات وشراكات اقتصادية قد ترسم ملامح استقرارها وازدهارها المستقبلي. ولهذا التقارب أبعاد معيّنة تُلزِم دمشق بتوجّه سياسي واستراتيجي محدّد. فهل ستؤدي زحمة الحلفاء الجدد إلى منافسة في ما بينهم على التحكم بالقرار الوطني؟

الأكثر قراءة

ثقافة 1/11/2026 12:20:00 PM
بالتواضع المنسحق، بالغفليّة التامّة، وطبعًا خارج الصوت والصورة، وخارج أيّ شيء...
ايران 1/11/2026 10:17:00 PM
قُتلت الطالبة الإيرانية روبينا أمينيان (23 عامًا) برصاصة في مؤخرة الرأس خلال احتجاجات طهران، فيما أُجبرت عائلتها على دفنها سرا بعد منعها من إقامة مراسم علنية، وفق تقارير حقوقية.
لبنان 1/12/2026 5:32:00 AM
عشرات الطلاب، لبنانيين وأجانب، وقعوا ضحية هذا المسار. فعدد المتدرّبين في الشركة يقدّر بنحو 70 إلى 80 طالباً، بينما سُجّل لدى المديرية العامة للطيران المدني عدد كبير من المحاضر، إثر شكاوى تقدم بها تلامذة وجرى توثيقها رسمياً
لبنان 1/12/2026 9:30:00 AM
كتل هوائية شديدة البرودة وانخفاض حادّ بدرجات الحرارة!