غزة تترقّب إعلان مجلس السلام وسط الغارات... مدخل إلى المرحلة الثانية من اتفاق وقف النار؟
في المرحلة الحالية من الهدنة الهشة، يترقّب العالم إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن مجلس السلام للإشراف على اتفاق وقف إطلاق النار بين "حماس" وإسرائيل وغزة، فيما أودت الغارات الإسرائيلية الأخيرة على القطاع بحياة ما لا يقل عن 13 شخصاً، بينهم طفل، مذكّرةً بصعوبة تحقيق الاستقرار فيما يُفترض مجلس السلام أن يشكّل ركيزة جديدة لإدارة الصراع وترتيبات ما بعد الحرب.
أعلن مسؤولون صحيون في غزة مقتل 13 شخصاً في الوقت الذي كان من المتوقع أن يعلن فيه ترامب عن مجلس السلام للإشراف على الهدنة الهشة. وقال مسؤولون صحيون وأفراد من عائلات الضحايا إن طفلاً واحداً على الأقل كان من بين القتلى في شمال غزة بعد عدة غارات جوية هناك وكذلك شرق مدينة غزة، بينما قال الجيش الإسرائيلي الجمعة إنه ضرب بنية تحتية ومقاتلين تابعين لـ"حماس" في جنوب وشمال غزة رداً على قذيفة فاشلة أطلقها مسلحون من منطقة مدينة غزة، بحسب وكالة "أ ب".
لا يزال وقف النار التدريجي بين إسرائيل و"حماس" في مرحلته الأولية مع استمرار الجهود لاستعادة رفات آخر رهينة إسرائيلية في غزة. ونقلت وكالة "ا ب" عن مسؤولين مطلعين إن من المتوقع أن يعلن ترامب الأسبوع المقبل عن تعييناته في مجلس السلام، الذي قال إنه سيترأسه، في خطوة مهمة إلى الأمام لخطة السلام التي وضعها للشرق الأوسط. تسير العملية ببطء منذ دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ قبل نحو ثلاثة أشهر.
وقال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الخميس إن الديبلوماسي البلغاري نيكولاي ملادينوف سيكون المدير العام "المعين" للمجلس. وقد شغل ملادينوف منصب وزير الدفاع والوزير الخارجية البلغاري، كما شغل منصب مبعوث الأمم المتحدة إلى العراق قبل تعيينه مبعوثاً للأمم المتحدة للسلام في الشرق الأوسط في الفترة من 2015 إلى 2020. وخلال تلك الفترة، كان له علاقات عمل جيدة مع إسرائيل، وكثيراً ما عمل على تخفيف التوترات بين إسرائيل و"حماس".
ويقول الكاتب والباحث السياسي الدكتور مراد حرفوش لـ"النهار" إن " الانتهاكات الإسرائيلية لم تتوقف منذ الإعلان عن وقف إطلاق النار في العاشر من تشرين الأول/أكتوبر الماضي، حيث استمرّت الخروقات التي تجاوزت الألف، وسقط خلالها أكثر من 400 شهيد. كما تنصّل الجيش الإسرائيلي من التزامه ببنود الاتفاق، ولا سيما ما يتعلق بالبروتوكول الإنساني وفتح معبر رفح".
ويضيف: "مع ذلك، وفي ظل الحديث عن الإعلان في منتصف هذا الشهر عن تشكيل مجلس السلام خلال انعقاد المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، فإن هذه الخطوة قد تشكّل مدخلاً مهماً للانتقال إلى المرحلة الثانية من الاتفاق"، مشيراً إلى أنه "إذا مُنح هذا المجلس صلاحيات حقيقية، وعلى رأسها مراقبة وقف إطلاق النار، وتسريع تنفيذ الالتزامات الأخرى مثل تشكيل قوة الاستقرار الدولية وحكومة الانتقال التي ستتولى إدارة قطاع غزة، فسيكون قادراً على الإسهام في تثبيت التهدئة وتنفيذ خطة النقاط العشرين المنبثقة عن رؤية ترامب".
ويتابع: "وعليه، فإن الأسئلة الجوهرية التي تفرض نفسها تتمثل في: من هم الأطراف الذين سيشاركون في عضوية هذا المجلس؟ وما هي طبيعة صلاحياته؟ وهل سيمنحه ترامب تفويضاً واسعاً يمكّنه فعلاً من فرض تنفيذ خطة وقف إطلاق النار؟"، لافتا الى ان "هذه الأسئلة تبقى ضرورية للحكم على مدى جدية هذا المجلس وقدرته الفعلية على إنفاذ اتفاق وقف النار في غزة".
وبموجب خطة ترامب، سيشرف المجلس على تشكيل حكومة فلسطينية تكنوقراطية جديدة، ونزع سلاح "حماس"، ونشر قوة أمنية دولية، وعمليات انسحاب إضافية للقوات الإسرائيلية، وإعادة الإعمار. ولم تبلغ الولايات المتحدة عن إحراز تقدم يذكر على أي من هذه الجبهات حتى الآن.
والخميس، اجتمع قادة مصر والاتحاد الأوروبي في القاهرة وحثوا على نشر قوة الاستقرار الدولية. وقالت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كاجا كالاس إن "حماس" لا تزال ترفض نزع سلاحها ووصفت الوضع بأنه "شديد الخطورة".
واتهمت إسرائيل و"حماس" بعضهما البعض بانتهاك وقف إطلاق النار. وأسفرت الغارات الإسرائيلية المستمرة على غزة عن مقتل أكثر من 400 فلسطيني، وفقاً لمسؤولي الصحة المحليين. ويقول الجيش الإسرائيلي إن أي إجراءات منذ بدء وقف إطلاق النار كانت رداً على انتهاكات الاتفاق.
ويرى الكاتب والمحلل السياسي في "الأهرام" أشرف العشري أن تطبيق المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في غزة مرتبط بالإعلان الرسمي لترامب عن تشكيل مجلس السلام العالمي، وبدء إرسال قوة الاستقرار الدولية، بالإضافة إلى تشكيل حكومة تكنوقراط فلسطينية مستقلة. ويؤكد العشري لـ"النهار"، أن هذه الخطوة قد تمثل بداية تفعيل المرحلة الثانية ووقف إطلاق النار بشكل كامل، رغم أن الجانب الإسرائيلي ما زال يستغل الثغرات، مستنداً إلى حجج تتعلق بعدم تسليم "حماس" السلاح وملف رفات الجندي الإسرائيلي.
ويشير العشري إلى أن مصر، بالتنسيق مع واشنطن وقطر، ترى ضرورة الإسراع بتنفيذ المرحلة الثانية لمنع إسرائيل من استغلال الوقت لمزيد من العمليات العسكرية، وضمان جدول زمني محدد لسحب القوات من غزة. وفي المقابل، أبلغت "حماس" السلطات المصرية والقطرية استعدادها لنزع السلاح تدريجياً مقابل خطة إسرائيلية واضحة للانسحاب.
ويضيف العشري أن مجلس السلام العالمي، برئاسة ترامب وعضوية 15 شخصية دولية، سيشرف على مراقبة تنفيذ القرارات على الأرض عبر المبعوث ملادينوف، ويعمل بالتنسيق مع قوة الاستقرار الدولية لضمان إدارة قطاع غزة من قبل حكومة التكنوقراط الفلسطينية، وفرض وقف تدريجي لإطلاق النار، وتحقيق تسوية شاملة خلال عام، مع متابعة دقيقة لكل الالتزامات الدولية والخطوات العملية لإعادة الإعمار وضبط الأوضاع المعيشية.
في ظل استمرار الانتهاكات ومقتل فلسطينيين، يظل مجلس السلام الذي يعلن عنه ترامب أمام اختبار حقيقي لقدراته على تثبيت الهدنة الهشة، وتنفيذ الالتزامات الدولية، وتحويل اتفاق وقف النار إلى مرحلة أكثر استقراراً وفعالية على الأرض.
نبض