حلب بعد اجتماعي دمشق وباريس: الميدان في صلب الحسابات الإقليمية

المشرق-العربي 08-01-2026 | 18:02

حلب بعد اجتماعي دمشق وباريس: الميدان في صلب الحسابات الإقليمية

كان التصعيد جزءاً من الحسابات القائمة، لا سيما بعد تكرار الاشتباكات في دير حافر خلال الشهرين الأخيرين، لكن لم يكن متوقَّعاً أن يُسمح له بالوصول إلى درجة الحسم.
حلب بعد اجتماعي دمشق وباريس: الميدان في صلب الحسابات الإقليمية
جندي سوري يساعد امرأة خلال خروجها من الأحياء ذات الأغلبية الكردية في الشيخ مقصود والأشرفية بمدينة حلب. (أ ف ب)
Smaller Bigger

الاشتباكات التي اندلعت في الشيخ مقصود والأشرفية وبني زيد لم تظهر كحدث محلي منذ اللحظة الأولى. التوقيت وحده دفعها إلى مستوى إقليمي، لا سيما أنها تزامنت مع مسارين تفاوضيين مفتوحين في دمشق وباريس، ما منح حلب دلالة تتجاوز حدود المدينة وسياقها المحلي المباشر.


وعلى الأرض، اتخذ التصعيد شكلاً مختلفاً عن جولات سابقة. فطبيعة الانتشار، واستخدام الوسائط الثقيلة، وحضور قيادة عسكرية عليا للإشراف، إلى جانب فرض حظر تجوال وتصنيف أحياء كمسارح عسكرية مغلقة ونشر خرائط استهداف، رسمت ملامح مواجهة تتجاوز حدود الاشتباك الموضعي. هذا التحوّل في الأسلوب لا يبدو تفصيلاً تقنياً بقدر ما يعكس إدراكاً لتعقيد اللحظة وتشابك مستوياتها، حيث باتت أي خطوة ميدانية محكومة بحسابات أوسع من نطاقها المباشر، وموضوعة تحت رقابة سياسية وإقليمية لا تسمح بهوامش ارتجال واسعة.


وقد كان التصعيد جزءاً من الحسابات القائمة، لا سيما بعد تكرار الاشتباكات في دير حافر خلال الشهرين الأخيرين، لكن لم يكن متوقَّعاً أن يُسمح له بالوصول إلى درجة الحسم. فالشيخ مقصود والأشرفية كانا محكومين بترتيب وُقّع مطلع نيسان/أبريل بين مجلس الحيّين ودمشق، على قاعدة اتفاق آذار/مارس بين الرئيس السوري أحمد الشرع وقائد "قسد" مظلوم عبدي، يقضي بخروج القوات العسكرية لـ"قوات سوريا الديموقراطية" مقابل بقاء "الأسايش" تحت مسمّى "الأمن الداخلي"، وبالتنسيق مع وزارة الداخلية. غير أن هذا الترتيب، بصيغته الهجينة، لم يُنتج معياراً تنفيذياً واضحاً لسقف السلاح أو حدود الصلاحيات أو الجهة المخوّلة بمنع دخول الفصائل، ما أبقى الأحياء في منطقة رمادية قابلة للاختبار عند أول تصعيد واسع.


ضمن هذه المنطقة الرمادية، تتشكّل علاقة دمشق-قسد بوصفها تفاهماً غير مكتمل أكثر منها صيغة قابلة للاستقرار. فالتنسيق القائم لا يحسم مسألة القرار ولا يرسم حدود القوة بشكل نهائي، بل يتركها معلّقة ضمن توازن هشّ يسمح بتعايش موقت ويؤجّل الصدام من دون إغلاق أسبابه. من هنا، لا يبدو تضارب القراءات خللاً عابراً، بل يبدو انعكاساً لبنية علاقة تُبقي نقاط التماس مفتوحة على احتمالات متكرّرة.
جاء اشتباك حلب في أعقاب مسارين سياسيين متزامنين. ففي دمشق، عُقد في الرابع من كانون الثاني/يناير اجتماع بين السلطة السورية ووفد "قسد"، بحضور الجنرال الأميركي كيفن لامبرت، وانتهى بتضارب في الانطباعات المعلنة؛ إذ تحدّثت دمشق عن فشل اللقاء، فيما أبدت "قسد" تفاؤلاً بإمكان استكماله في جلسات لاحقة. وبالتوازي، شهدت باريس مباحثات بين سوريا وإسرائيل انتهت ببيان ثلاثي وآلية تنسيق، بالتزامن مع وجود وزير الخارجية التركي هاكان فيدان في العاصمة الفرنسية. هذا التزامن وضع الميدان في تماس مباشر مع حركة العواصم، وأعاد إبراز هشاشة أي مسار تفاوضي حين تبقى خطوط التماس على الأرض بلا صيغة حسم.

 

 

سوريون يفرون من الأحياء ذات الغالبية الكردية في الشيخ مقصود والأشرفية بمدينة حلب. (أ ف ب)
سوريون يفرون من الأحياء ذات الغالبية الكردية في الشيخ مقصود والأشرفية بمدينة حلب. (أ ف ب)

 

في هذا المناخ، لم تبقَ المعركة محصورة في إطارها المحلي طويلاً. سريعاً، دخلت أطراف إقليمية على الخط، كلٌّ من زاويته وحساباته. إسرائيل وصفت التطورات بأنها "خطيرة ومقلقة"، وأعادت تفعيل خطاب "حماية الأقليات" بوصفه مدخلاً سياسياً مألوفاً لتأطير أي تصعيد داخلي سوري ضمن معادلات الأمن الإقليمي. وجاء التوغّل الإسرائيلي اللاحق في ريف القنيطرة، بعد صدور البيان الثلاثي في ختام اجتماع باريس، ليُظهر أن هذا الخطاب لا ينفصل عن سلوك ميداني يواكب الحدث ويتعامل معه كجزء من مشهد أوسع.


في المقابل، جاءت أنقرة بلهجة مختلفة تماماً. فقد أكدت وزارة الدفاع التركية أن العملية "منفَّذة بالكامل من قبل الجيش السوري"، مشددة على أن "أمن سوريا من أمن تركيا"، مع إبداء الاستعداد لتقديم المساعدة إذا طُلب منها ذلك. هذا الموقف لا ينطوي على تدخل مباشر، لكنه يمنح دمشق غطاءً سياسياً واضحاً، ويعيد تثبيت سردية "وحدة الأراضي" ومكافحة "التنظيمات الإرهابية" بوصفها الإطار الناظم لرؤية تركيا لسوريا الجديدة. وفي هذا السياق، تُدرج معركة حلب ضمن توازنات إقليمية أوسع، حيث يتقاطع المسار السوري مع اشتباكات النفوذ، ولا سيما على خط التوتر التركي-الإسرائيلي داخل الساحة السورية.


في هذا الوسط، تبدو الولايات المتحدة في موقع ملتبس. فقد شاركت في مفاوضات باريس وأسهمت بإنتاج آلية التنسيق، وحضرت في الوقت نفسه اجتماع دمشق مع "قسد". ومع ذلك، اندلع التصعيد بعد المسارين مباشرة، من دون أن يظهر أثرٌ لقدرة أميركية على منعه أو حتى تأجيله. مواجهة كهذه، بين طرفين يُدرجان كلٌّ بطريقته ضمن دائرة الشراكة الأميركية، تُظهر أن الدور الأميركي يميل إلى إدارة القنوات وفتح المسارات، مع ترك هامش واسع لاختبارات الميدان، بدلاً من فرض إيقاع حاسم أو تقديم ضمانات تنفيذية.


ومع تعقّد المشهد، بدا أن قواعد الاشتباك على الأرض خضعت لحسابات أوسع من الجولات السابقة. فعلى مستوى الميدان، اعتمدت المؤسسة العسكرية السورية أسلوباً عملياتياً مختلفاً: إعلاناً مسبقاً لموعد بدء العمليات، فتح معابر لخروج المدنيين، إنذارات بإخلاء مبانٍ محددة، وفرض حظر تجوال معلن. هذه الإجراءات لا تحسم النتائج ولا تلغي المخاطر، لكنها تشير إلى محاولة ضبط استخدام القوة، وإلى إدراكٍ بأن كل خطوة ميدانية باتت تُحمَّل دلالات تتجاوز حدودها الجغرافية.

 

بهذا المعنى، لا تبدو حلب سبب الأزمة بقدر ما هي ميدان اختبارها. اختبار لقدرة التفاهمات الإقليمية على ضبط الميدان، وحدود التفاهمات غير المكتوبة بين تركيا وإسرائيل، ومدى استعداد الولايات المتحدة للانتقال من إدارة التفاوض إلى ضمان نتائجه. ما قد يتكشّف في الأيام المقبلة يتجاوز مصير أحياء المدينة، ليطال شكل إدارة الصراع السوري في مرحلته الجديدة، حيث يختبر كل طرف حدود الآخر قبل تثبيت الخطوط النهائية.


العلامات الدالة

الأكثر قراءة

المشرق-العربي 1/7/2026 4:53:00 PM
المسار الذي بدأ في باريس لا ينتمي إلى قوالب "السلام" أو "التطبيع" أو "الترتيبات الأمنية" كما عُرفت سابقاً، بل يندرج ضمن نموذج مختلف لإدارة ما بعد الصراع.
المشرق-العربي 1/8/2026 6:16:00 AM
لا يجري الحديث عن تحالف، بل عن "اتفاقية تنسيق أمني".
المشرق-العربي 1/7/2026 4:41:00 PM
ملف لبنان أصبح في يدي السفير الأميركي في لبنان ميشال عيسى والموفدة مورغان أورتاغوس