مفاوضات باريس: هيكل جديد لإدارة ما بعد الصراع بين سوريا وإسرائيل
لم تُقدَّم مفاوضات باريس بين سوريا وإسرائيل بوصفها اتفاقاً سياسياً، ولم تُعلن خطوة تطبيعية. غير أنّ ما تكشّف من معطياتها يشير إلى اختراق غير مسبوق في شكل العلاقة بين الطرفين منذ اتفاق فصل القوات عام 1974. فالمسار الذي بدأ في باريس لا ينتمي إلى قوالب "السلام" أو "التطبيع" أو "الترتيبات الأمنية" كما عُرفت سابقاً، بل يندرج ضمن نموذج مختلف لإدارة ما بعد الصراع: إعادة تعريف الحدود والعلاقة، لا بوصفهما ساحة صراع أو موضوع تسوية، بل كحيّز وظيفي مشترك يُدار بدل أن يُحسم.
بهذا المعنى، لا يمكن اختزال ما جرى بإجراءات تقنية عابرة، كما لا يصحّ رفعه إلى مستوى تسوية سياسية شاملة. نحن أمام صيغة وسيطة تتجاوز المنطق الأمني الضيق من دون الاقتراب من القضايا السيادية الكبرى، وترتقي لتشكّل هيكلاً تنظيمياً جديداً لإدارة العلاقة، يقوم على الأمن والاقتصاد بوصفهما أدوات ضبط واستقرار، لا بوصفهما مدخلاً إلى حلّ سياسي.
من المراقبة إلى الإدارة المشتركة
أولى ملامح هذا التحول تظهر في البنية الأمنية التي يجري العمل على إنشائها في الأردن. فغرفة العمليات المشتركة المقترحة ليست امتداداً لآليات الأمم المتحدة، ولا منصة مراقبة محايدة، بل مركز قيادة فعلي لإدارة الحدود الجنوبية لسوريا. تعمل الغرفة تحت إشراف أميركي مباشر، وتضم ممثلين أمنيين من الأطراف المعنية، وتُستخدم لرصد الحركة الميدانية، ومعالجة الحوادث، وتنسيق المعلومات.
ضمن هذه البنية تأتي الآلية المشتركة، وهي ليست كياناً منفصلاً، بل وحدة داخل غرفة الأردن، تؤدي وظيفة الاتصال اليومي بين دمشق وتل أبيب. تجمع ضباطاً أمنيين ومسؤولين سياسيين وخبراء تقنيين، وتحوّل العلاقة من اتصالات ظرفية إلى قناة دائمة. وللمرة الأولى منذ نصف قرن، تُدار الحدود السورية–الإسرائيلية عبر بنية مشتركة ومؤسسية، لا عبر ردع متبادل أو وساطة أممية. وهذا وحده يعيد تعريف العلاقة، حتى وإن بقي غير معلن سياسياً.
واشنطن: من الوساطة إلى التصميم
في قلب هذا التحول، يبرز الدور الأميركي بوصفه العامل الحاسم. فالولايات المتحدة لا تتصرف هنا كوسيط تقليدي، بل كمهندس للمسار: هي التي صمّمت الإطار الأمني الجديد، وأشرفت على الآلية المشتركة، وحدّدت سقوفها ووظيفتها، وفصلت بين ما يمكن بحثه الآن وما يجب تأجيله.
اختيار الأردن ليس تفصيلاً تقنياً ولا مجرّد حياد جغرافي. فالمملكة طرف معني أصلاً بترتيبات الجنوب السوري، وقد لعبت أدواراً سابقة في إدارة ملفات تتعلق بالسويداء وضبط الحدود. وجودها في قلب هذا المسار يعكس توجّهاً نحو توسيع نطاق الإدارة الأمنية من ملفات محلية معزولة إلى مقاربة أشمل للحيّز الجنوبي، من دون القفز إلى استنتاجات نهائية حيال حدود هذا الاتساع.
الهدف الأميركي يبدو واضحاً: تثبيت حدود الأمر الواقع، ومنع أي انفجار على الجبهة الشمالية لإسرائيل، وربط العلاقة السورية–الإسرائيلية بترتيبات إقليمية أوسع قابلة للتحكم. إدارة الصراع، لا حلّه، هي الرهان في هذه المرحلة.
الاقتصاد المكاني: إعادة تعريف الحدود
التحول الثاني، وربما الأعمق، يتمثّل في إدخال البعد الاقتصادي إلى صلب المسار. فالتقارير الإسرائيلية عن مقترح منطقة اقتصادية مشتركة تمتد على طول الشريط المنزوع السلاح تكشف عن رؤية تتجاوز فكرة التنمية إلى إعادة تشكيل المجال الحدودي نفسه.
الحديث هنا عن مشاريع طاقة، وخطوط نفط، وصناعات دوائية، ومراكز بيانات، ونظام اقتصادي خاص. هذه ليست مشاريع استثمارية تقليدية، بل هندسة وظيفية للحدود: السيادة تبقى معلّقة، لكن الوظيفة تُحسم. اقتصاد مشترك من دون اعتراف سياسي، ومصالح متبادلة من دون اتفاق سلام.
يمكن توصيف هذا التوجه بما يشبه "السلام الاقتصادي المكاني"، حيث تُعاد صياغة الحدود عبر البنية التحتية والمصالح اليومية، لا عبر الخرائط والمعاهدات. النزاع لا يُحلّ، بل يُدار، وتُستبدل منطق المواجهة بمنطق المصالح.
من زاوية دمشق، يقدّم هذا المسار مكاسب ملموسة في لحظة عدم تعافٍ اقتصادي: طاقة، وبنى تحتية، وفرص تشغيل، من دون تكلفة اعتراف أو تنازل سيادي معلن. أما إسرائيل، فتكسب استقراراً حدودياً طويل الأمد بأدوات أقل تكلفة من الردع العسكري، مع إمكان تحويل المنطقة العازلة من عبء أمني إلى أصل اقتصادي.

لماذا الآن؟
التوقيت لا يرتبط بأزمة واحدة بقدر ما يعكس هشاشة شاملة في مرحلة انتقالية لم تُقفل بعد. فعدم التعافي السياسي والمؤسسي، وتذبذب الاستقرار الأمني، واستمرار قابلية الاشتعال في أكثر من منطقة، كلها عوامل تدفع نحو أولوية إدارة المخاطر بدل تأجيلها. الاشتباكات التي شهدتها حلب أخيراً شكّلت تذكيراً بأن الاستقرار لم يتحوّل بعد إلى واقع راسخ، وأن مسارات الضبط والاحتواء تتقدّم على أي رهانات تسووية بعيدة المدى.
إقليمياً، تتلاقى هذه الهشاشة مع رغبة إسرائيلية في تحييد الجبهة الشمالية، ومع انشغال قوى إقليمية كبرى بملفات أخرى، ومع حاجة أميركية إلى ترتيب قابل للاستمرار لا يتطلب اختراقات سياسية كبرى. في هذه اللحظة تحديداً، يصبح نموذج "الإدارة" أكثر واقعية من نموذج "الحل".
الأمن ونزع السلاح: ما يُقال وما يُفهم
رغم أن المحادثات لم تُعلن صراحة عن ترتيبات لنزع السلاح في الجنوب السوري، إلا أن طبيعة الآلية الأمنية المطروحة وحدود عملها تتقاطع مع مطلب إسرائيلي قديم يقضي بتحييد هذه المنطقة عسكرياً. هذا التقاطع لا يعني بالضرورة اتفاقاً مكتوباً، لكنه يفتح الباب أمام إعادة تنظيم الواقع الأمني جنوباً ضمن أطر جديدة.
في هذا الإطار، يبرز سؤال التأثير على محافظات الجنوب، ولا سيما منها السويداء التي شكّلت تاريخياً عقدة أمنية وسياسية في أي تصور لإعادة تنظيم الجنوب السوري. ما يجري في باريس لا يستهدف هذه الملفات مباشرة، لكنه قد يفرض، بمرور الوقت، وقائع تُعاد قراءتها محلياً بوصفها جزءاً من مسار أوسع لإدارة الجنوب.
الجولان: الصمت كسياسة
في هذا السياق، يصبح غياب ملف الجولان عن كل البيانات عنصراً أساسياً لفهم طبيعة المسار. فالملف لم يُنسَ، بل أُخرج عمداً من التفاوض. القضايا السيادية الكبرى لا تُطرح لأنها لا تُحلّ في هذه المرحلة، ولأن إدخالها سيُفجّر الإطار كله.
ضمن هذا المناخ، أثار نشر وزارة الخارجية السورية خريطة رسمية للبلاد من دون الجولان، بالتزامن مع الإعلان عن إلغاء قانون قيصر، نقاشاً واسعاً في الأوساط السياسية والإعلامية. لم يصدر توضيح رسمي، ولم يُقدَّم تصحيح. الواقعة في ذاتها لا تُنتج استنتاجاً سياسياً، لكنها تعكس حساسية لحظة تُدار فيها القضايا السيادية بالصمت، وبالتكيّف مع الوقائع أكثر مما تُدار بالمواجهة الخطابية.
منطقة وسطى بين الحرب والسلام
بهذا كله، يتشكّل إطار جديد للعلاقة بين دمشق وتل أبيب: لا صراع مفتوحاً، ولا سلام معلناً، بل حيّز وظيفي مشترك تُدار فيه الحدود عبر بنية أمنية مشتركة، وتُضبط المخاطر عبر آلية دائمة، ويُعاد تشكيل المجال الحدودي عبر اقتصاد مشترك.
في هذه المنطقة، تتراجع السيادة إلى الخلف، وتتقدّم الوظيفة إلى الأمام، وتصبح المصالح اليومية أكثر تأثيراً من الشعارات الكبرى. هذا هو جوهر الاختراق الذي بدأ في باريس: انتقال من إدارة الصراع إلى هندسة ما بعده، من دون حلّه.
تحوّل لا يحتاج إلى توقيع ولا إلى صور، لكنه يغيّر شكل العلاقة على المدى الطويل، ويعيد تعريف معنى "التقدم نحو السلام" في منطقة أنهكتها محاولات السلام غير المكتملة.
نبض