خلاف حاد في الكابينيت الإسرائيلي بشأن "اليوم التالي"... غزة على أعتاب تصعيد جديد؟
على وقع تحذيرات عسكرية، يعود شبح التصعيد فوق غزة، وسط انقسام إسرائيلي حيال "اليوم التالي" للقطاع المنكوب. بين ضغوط أميركية، وخطط عسكرية جاهزة، وغياب قرار سياسي حاسم، تتقاطع الحسابات الأمنية في تل أبيب، ما ينذر بجولة عسكرية جديدة قد تعيد خلط الأوراق بشأن غزة.
كشفت صحيفة "يديعوت أحرونوت" العبرية نقلاً عن مصادر إسرائيلية رفيعة عن خلاف حاد داخل الكابينيت الأمني الإسرائيلي بشأن مستقبل قطاع غزة، إذ وجه رئيس أركان الجيش إيال زامير تحذيراً مباشراً إلى رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو خلال اجتماع أمني عقد الأسبوع الماضي. دعاه فيه إلى "اتخاذ قرار واضح" بشأن هوية الجهة التي ستتحكم بالقطاع في حال فشلت القوة الدولية للاستقرار التي تروج لها واشنطن ضمن خطة الرئيس دونالد ترامب لتفكيك حركة "حماس". وأشارت المصادر إلى أن الجيش الإسرائيلي يعد خططاً بديلة لتنفيذ عملية عسكرية جديدة في غزة لتفكيك البنى التحتية لـ"حماس"، في حال لم تنجح القوة الدولية في مهمتها.
زامير طلب من نتنياهو تحديد "من سيدير القطاع بعد أي عملية عسكرية مقبلة"، محذراً من أن غياب رؤية سياسية واضحة سيفضي إلى "عودة حماس للتمدد من جديد"، على غرار ما يجري اليوم بعد الحرب الأخيرة. ويشكك الجيش الإسرائيلي في قدرة القوة الدولية على فرض الأمن في غزة ونزع سلاح "حماس"، رغم الضغوط الأميركية لتنفيذ خطة ترامب.
ويقول الكاتب والصحافي المختص بالشأن الاسرائيلي نهاد أبو غوش، لـ"النهار"، إن "الحديث عن خلافات حادة فيه قدر كبير من المبالغة لأسباب عدة، بينها أن ثمة توافقاً تاماً بين مختلف مركبات الحكومة على أهداف الحرب وعلى مجمل السياسات الإسرائيلية حيال الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة، بل إن غالبية قوى المعارضة الإسرائيلية تتفق مع قوى الائتلاف الحكومي بشأن هذه السياسات ومن بينها تأييد الحلول العسكرية والأمنية حيال الفلسطينيين، ورفض قيام دولة فلسطينية، وادعاء غياب أي شريك فلسطيني يمكن استئناف العملية السياسية معه، وتبني مواقف عملية مؤيدة لتهجير الفلسطينيين، وتأييد ضم الكتل الاستيطانية، وتهويد القدس".
ويضيف أبو غوش أنه "يمكن القول أن بعض الأصوات المتطرفة في الحكومة مثل إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش يخدم مواقف نتنياهو وسياساته، فهي تساعده في موازنة الضغوط التي يمكن أن يتعرض لها من الأميركيين والأوروبيين، وتظهره كأنه رجل وسطي ومعتدل قياساً بغيره من المتطرفين".

ويشير الى أن "غموض سؤال اليوم التالي يربك خطط الجيش ويعقدها. دائماً القيادات العسكرية كانت تضغط من أجل تقديم إجابات واضحة يمكن بناء الخطط والاستراتيجيات العسكرية عليها، فالجيش لأسباب مهنية وتقنية معروفة لا يستطيع أن يبني خططه على آماد ومراحل زمنية قصيرة، لأن استراتيجياته تؤثر على خطط التعبئة والتسليح وانتشار القوات, ومن دون وضوح أهداف الحرب تظل هذه الخيارات معلقة ويبقى الجيش مشغولاً بالعمليات اليومية للاغتيالات والاجتياحات وقتل الفلسطينيين من دون أن يراكم إنجازات حقيقية".
ويضيف أن المشهد الداخلي الإسرائيلي مرتبط بموسم انتخابي، حيث يسعى كل طرف لإظهار حرصه على مصلحة إسرائيل ورفع سقف التصعيد عسكرياً وسياسياً تجاه الفلسطينيين. ويشير إلى أن "رئيس الأركان يواجه محاولات لتطويعه من قبل المؤسسة السياسية، وهو يحاول من خلال مقاربته لواقع القطاع أن يحمي موقعه ويوازن الضغوط، مدركاً أن الأجندة السياسية الحالية لا تسمح لأي جهة بالحكم بشكل كامل القطاع". فقد أوجد الإسرائيليون حالة من الشك حول إمكانية تشكيل القوة الدولية، وعقّدوا مهمتها. نتيجة لذلك، يسود اعتقاد راسخ بأن "حماس" لن تفكك سلاحها طواعية، وبأن إسرائيل لن تتمكن من إحراز تقدم ملموس في قضايا الانسحاب والالتزامات المترتبة عليها ضمن الاتفاق، ما يجعل الطريق السياسي مسدوداً أمام أي خطوة عملية لتنفيذ قرار القوة الدولية.
ويلفت هلسة الى أن التصريحات هي "رسائل داخلية للشارع الإسرائيلي، تهدف إلى إظهار الحزم والردع، لا لتغيير السياسات، خاصة في موسم الانتخابات، حيث المزاج العام يرفض أي تنازلات أو تسويات".
توازياً، أكدت أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية أمام لجنة الشؤون الخارجية والدفاع في الكنيست أن "حماس تعزز قدراتها العسكرية والتنظيمية بشكل ملحوظ منذ انتهاء الحرب"، سواء في التسليح أو التدريب أو تطوير تكتيكات القتال. ويبدو أن الجيش الإسرائيلي، رغم استعداده للتدخل عسكرياً مجدداً، يرفض الدخول في مغامرة جديدة من دون غطاء سياسي واضح.
ويقول أبو غوش لـ"النهار" إنه "يمكن فهم التهديدات باستئناف العمليات العسكرية كنوع من الضغط السياسي على الفلسطينيين وقوى المقاومة وكذلك على الوسطاء لتحسين موقع إسرائيل في ما يرتبط بمستقبل غزة، لأن هذه التهديدات مقترنة بالتشكيك بقدرة قوة حفظ الاستقرار الدولية (التي لم تتشكل بعد ولا يعرف من هي الدول المشتاركة فيها ولا الطبيعة الدقيقة لدورها ومهماتها) على سحب سلاح حماس"، مضيفاً: "علينا ألا ننسى أن العمليات العسكرية الإسرائيلية لم تتوقف يوماً واحداً منذ دخول الاتفاق حيز التنفيذ في تشرين الأول/ أكتوبر الماضي".
ويلفت الى أن "استئناف العمليات العسكرية بات في ذمة الأميركيين والدول الوسيطة ما يستدعي السؤال التالي وبخاصة بعد نتائج لقاء ترامب ونتنياهو التي جاءت لمصلحة الأخير، هل يقبل ترامب وإدارته أن يختزل خطته ذات العشرين بنداً إلى مجرد بندين يلبيان مطالب إسرائيل وهما استعادة الأسرى والجثث وسحب سلاح حماس، ويهمل سائر البنود الأخرى ويتجاهلها، والتي تنص صراحة على منع تهجير الفلسطينيين وحكم الفلسطينيين لأنفسهم وإعادة الإعمار وإدخال المساعدات والازدهار والعيش في سلام؟".
يقف القرار الإسرائيلي عند حافة اختبار صعب: إما حسم سياسي يحدد مصير غزة، وإما انزلاق جديد نحو حرب مفتوحة بلا أفق. وبين ضغوط واشنطن وحسابات الداخل، تبقى غزة رهينة الصراع.
نبض