تحالف إسرائيل – اليونان – قبرص يضع تركيا أمام تحديات استراتيجية

المشرق-العربي 05-01-2026 | 06:02

تحالف إسرائيل – اليونان – قبرص يضع تركيا أمام تحديات استراتيجية

تسعى تل أبيب إلى إرساء منظومة تحالفات جديدة قائمة على صيغة "3+1" مع واشنطن.
تحالف إسرائيل – اليونان – قبرص يضع تركيا أمام تحديات استراتيجية
علم تركيا في إسطنبول. (رويترز)
Smaller Bigger

رفعت "قمة القدس" والاتفاقية التي تلتها لإجراء مناورات عسكرية إسرائيلية– يونانية– قبرصية مشتركة من حالة التأهب التركية، ضد ما وصفه الإعلام الموالي للرئيس التركي رجب طيب أردوغان بأنه "محور الشر"، ليبرز شرق المتوسط كنطاق أوسع للصراع الجيوسياسي بين أنقرة وتل أبيب مقارنة بالساحة السورية.

تحالف إسرائيلي لتطويق تركيا
تسعى تل أبيب إلى إرساء منظومة تحالفات جديدة قائمة على صيغة "3+1" مع واشنطن، من خلال شراكة غير معلنة في مجالي الطاقة والأمن على وجه الخصوص، تجمع الدول الثلاث بالولايات المتحدة، وتشمل مناورات بحرية مشتركة، وتبادلاً للتقنيات الدفاعية، وبرامج لمكافحة الإرهاب.
ولا يقتصر هذا التحرّك الإسرائيلي على تقويض المطالب البحرية التركية عبر عقيدة "الوطن الأزرق"، بل يعيد رسم خريطة التحالفات الأمنية والاقتصادية في المنطقة، من خلال إقصاء تركيا أو تطويقها قبل السماح لها بالانضمام إلى النادي الشرق متوسطي الجديد بشروطه هو لا بشروط أنقرة.
وفي هذا السياق، وجّه نتنياهو انتقادات مباشرة إلى أردوغان على خلفية تصريحاته الأخيرة، قائلاً إن "أولئك الذين يحلمون بإحياء إمبراطوريات الماضي عليهم ببساطة أن ينسوا ذلك".
ويمثّل تعزيز تل أبيب تحالفها العسكري تحوّلاً جيوسياسياً مهماً في شرق المتوسط، عبر إنشاء بنية أمنية موالية للغرب ومتمحورة حول إسرائيل، تهدف بوضوح إلى احتواء النفوذ التركي، وخصوصاً في المناطق البحرية المتنازع عليها، حيث تستمر التوترات بين تركيا ودول شرق المتوسط.
ويعزّز هذا التعاون موقع إسرائيل الإقليمي خارج إطار حرب غزة، ويوفّر لها شراكات استراتيجية تعوّض جزئياً العزلة الدولية المرتبطة بسياساتها إزاء الفلسطينيين.
في المقابل، يساهم إشراك قبرص في توسيع العمق الاستراتيجي لإسرائيل، ويعقّد الحسابات الإقليمية لتركيا، خصوصاً في ملفات استكشاف الطاقة والوصول البحري.
في أيلول/سبتمبر الماضي، أنشأت تل أبيب قواعد صاروخية في قبرص اليونانية، مع أنباء عن وجود خطة لإنشاء قاعدة جوية في الجزيرة ذات الأهمية الاستراتيجية. وفي الوقت نفسه، وسّع الجيش الإسرائيلي نطاق تمركزه في مواقع تمكّنه من قصف العاصمة السورية باستخدام سلاح المدفعية.
وتكتسب قبرص أهمية خاصة لإسرائيل من زاوية أخرى أيضاً، إذ أعلن نتنياهو صراحة رغبته في إحياء مشروع ممر الهند– الشرق الأوسط– أوروبا الاقتصادي (IMEC)، الذي جرى تجميده خلال الحرب على غزة. وتحتل جزيرة قبرص موقعاً استراتيجياً في مسار هذا المشروع، الذي يهدف إلى ربط الهند بأوروبا عبر اليونان، مع استبعاد تركيا.
ومنذ هجوم "حماس" في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، تواصل إسرائيل شن هجماتها وتوسيع دائرة نفوذها، محققة أهدافها في تحجيم إيران في كل من سوريا ولبنان، لتصبح تركيا اليوم المنافس الإقليمي الوحيد لها والخطر الأكبر على مشاريعها المستقبلية.
ومع تعكّر الأجواء على الجبهة اليونانية–التركية أخيراً، على خلفية استبعاد أنقرة من برنامج "SAFE" التابع للاتحاد الأوروبي، تحاول كل من أثينا ونيقوسيا تحقيق توازن دقيق بين توسيع تحالفاتهما الإقليمية، خصوصاً مع إسرائيل ومصر، وبين الحفاظ على حالة الهدوء التي سادت بحر إيجه خلال السنوات الثلاث الماضية، والإبقاء على فرص التوصل إلى حل للقضية القبرصية.

 

علم تركيا يرفرف فوق مبنى السفارة التركية في تل أبيب. (وكالات)
علم تركيا يرفرف فوق مبنى السفارة التركية في تل أبيب. (وكالات)

 

"قسد" ومحاور تل أبيب
في الوقت الذي كان فيه نتنياهو يعلن من القدس، وبجانبه نظيره اليوناني والرئيس القبرصي، أن "هذا الاجتماع الثلاثي العاشر هو الأهم من حيث نتائجه"، كان وزير الخارجية التركي هاكان فيدان يصرّح، خلال مؤتمر صحافي مشترك مع نظيره السوري في دمشق، بأن تنسيق "قسد" في أنشطتها مع إسرائيل يشكّل العقبة الأكبر أمام تنفيذ اتفاق 10 آذار/مارس.
وفي مقابل مشروع ممر الهند المدعوم إسرائيلياً، أطلقت تركيا مشروع "طريق التنمية"، الذي يُعد بديلاً أقل تكلفة، ويهدف إلى ربط الخليج بأوروبا وآسيا الوسطى حصراً عبر الأراضي العراقية والتركية. غير أن أبرز العقبات التي تواجه هذا المشروع تتمثل، من جهة، في النفوذ الإيراني، ومن جهة أخرى في التهديدات الأمنية في كل من العراق وسوريا، وهو ما يفسّر سعي أنقرة إلى حل القضية الكردية بالوسائل السياسية لضمان أمن سلاسل الإمداد الإقليمية لمشروعها مستقبلاً.
وترى أنقرة اليوم في "قسد" العقبة الكبرى أمام التوصل إلى حل سياسي للمسألة الكردية في المنطقة، متخوّفة من تحالف إقليمي بين "قسد" والدروز في جنوب سوريا، مدعوماً من تل أبيب، قد يعرقل مشاريعها الخاصة بربط شرق آسيا بأوروبا عبر الشرق الأوسط.
وتسعى تركيا إلى تقييد الأنشطة الإسرائيلية. ففي 25 أيلول/ديسمبر، أفادت وسائل إعلام إسرائيلية بأن تركيا بدأت جهوداً لبناء محطات رادار للإنذار المبكر وتشغيلها في سوريا لتتبّع الطائرات الإسرائيلية، بما يعرقل العمليات الجوية الإسرائيلية المستقبلية ضد إيران. كما وصفت وزارة الدفاع التركية أمن إيران بأنه "جزء لا يتجزأ من أمن تركيا"، وذلك خلال زيارة وزير الدفاع التركي إلى طهران في 24 أيلول/ديسمبر.
وفي ظل تزامن هذه التطورات مع الدور المحوري الذي تلعبه واشنطن في الشرق الأوسط، من غزة إلى سوريا، وكذلك في شرق المتوسط، لم يقتصر الاهتمام باللقاء الذي جمع نتنياهو مع الرئيس الأميركي،  الاثنين، في مارالاغو على العلاقات الثنائية الأميركية–الإسرائيلية، بل اكتسب أبعاداً ودلالات متعددة، خصوصاً مع إصرار ترامب على كيل المدائح للرئيس التركي بحضور نتنياهو، وهو ما يمكن تفسيره على أنه احتمال اضطلاعه بدور الوسيط بين تل أبيب وأنقرة في الأسابيع المقبلة.
وتكشف التطورات المتسارعة في شرق المتوسط عن مشهد إقليمي شديد التعقيد، تتقاطع فيه الحسابات الأمنية مع مشاريع الطاقة والممرات الاقتصادية، ويُعاد فيه صوغ التحالفات على وقع الصراعات المفتوحة، من غزة إلى سوريا.

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

المشرق-العربي 1/7/2026 4:41:00 PM
ملف لبنان أصبح في يدي السفير الأميركي في لبنان ميشال عيسى والموفدة مورغان أورتاغوس
كتاب النهار 1/6/2026 4:13:00 AM
منذ أكثر من عام تتعرّض دولة الإمارات لحملة إعلامية ممنهجة، بدأت بهمسٍ خافت، ثم تصاعدت تدريجاً عبر منصات متفرقة، قبل أن تصل اليوم إلى مرحلة الصراخ العلني. وهذا ليس مصادفة...
كتاب النهار 1/7/2026 11:28:00 AM
بالأمس فوجئت بخبر رحيله، عبر وسائل التواصل الاجتماعي.