سوريا 2025 بين الأمل والقلق: ماذا يكشف المؤشر العربي عن المزاج الشعبي؟

المشرق-العربي 03-09-2025 | 06:10

سوريا 2025 بين الأمل والقلق: ماذا يكشف المؤشر العربي عن المزاج الشعبي؟

استند الاستطلاع إلى عينة تمثيلية واسعة شملت 3690 شخصاً من مختلف المحافظات والفئات الاجتماعية والاقتصادية.
سوريا 2025 بين الأمل والقلق: ماذا يكشف المؤشر العربي عن المزاج الشعبي؟
تظهر النتائج أن أكثر من نصف السوريين يعتقدون أن البلاد تسير في الاتجاه الصحيح. (أ ف ب)
Smaller Bigger

يكشف "المؤشر العربي" في نسخته الخاصة بسوريا لعام 2025 عن مشهد مركّب يجمع بين موجة من التفاؤل تجاه المستقبل وإحساس عميق بالقلق حيال الحاضر. فبينما يعبّر السوريون عن رضا متزايد على الصعيدين السياسي والأمني بعد عقد من الحرب والانقسام، تكشف البيانات في المقابل عن واقع اقتصادي واجتماعي هش يهدد بإضعاف هذا الرصيد المعنوي ما لم يُترجم سريعاً إلى مكاسب ملموسة في حياة الناس.

 


استند الاستطلاع إلى عينة تمثيلية واسعة شملت 3690 شخصاً من مختلف المحافظات والفئات الاجتماعية والاقتصادية، بهامش خطأ يراوح بين 2 و3%، وبمستوى ثقة بلغ 98%. ونُفّذ العمل الميداني خلال 25 يوماً بين 25 تموز/يوليو و17 آب/أغسطس 2025، بمشاركة أكثر من 100 باحث وباحثة، ما يمنح النتائج قوة علمية وموثوقية عالية.



تفاؤل سياسي يقابله فقر معيشي


تظهر النتائج أن أكثر من نصف السوريين يعتقدون أن البلاد تسير في الاتجاه الصحيح، فيما قيّم 57% الوضع السياسي و56% الوضع الأمني بأنه جيد أو جيد جداً. كما عبّر ما بين 80% و94% عن مشاعر الأمل والارتياح عقب سقوط النظام السابق، في ما يبدو أنه تحوّل وجداني كبير بعد سنوات طويلة من الخوف والانسداد.

 


لكن خلف هذه الصورة المتفائلة، يكمن واقع اقتصادي قاسٍ: 42% من الأسر تعيش في حالة عوز، و43% بالكفاف، ولا تتجاوز نسبة من يعيشون في وفرة 11%. ستة من كل عشرة مستجيبين قالوا إنهم نادراً ما يتناولون اللحوم، فيما يعتمد نحو ثلث الأسر على تحويلات من الخارج لتغطية احتياجاتها. هذه الأرقام تضع التفاؤل السياسي في مواجهة مباشرة مع التحدي المعيشي، وتجعل أي سلطة أمام امتحان حقيقي يتمثل في ربط الاستقرار الأمني بتحسين شروط الحياة اليومية.

 

نزعة ديموقراطية متنامية


رغم الأعباء المعيشية، تكشف النتائج عن وعي متقدم بالديموقراطية والتعددية. إذ يرى 61% أن النظام الديموقراطي هو الأنسب لسوريا اليوم، ويعتبر 60% أن الديموقراطية، رغم عيوبها، تظل أفضل من غيرها. واللافت أن 53% أبدوا استعدادهم لتقبّل تداول السلطة حتى لو فاز حزب لا يؤيدونه، شرط أن يتم عبر انتخابات حرة ونزيهة. هذه المعطيات تعكس إدراكاً متزايداً بأن الديموقراطية لم تعد ترفاً أو تهديداً بالانزلاق إلى الفوضى، بل إطاراً ضرورياً لإدارة التنوع وضمان الاستقرار.

 


ومع ذلك، فإن هذا الميل الشعبي لا يجد ترجمة واضحة في البنية السياسية القائمة، التي لا تزال موقتة ومركزة في صلاحيات ضيقة، مع غياب آليات تمثيل واسعة لمختلف الفئات. هذا التناقض بين ما يريده الناس وما يُمارَس على الأرض قد يشكّل معضلة شرعية مؤجلة إذا لم تتم معالجته.



بين خطاب التعايش وواقع الانقسام


على الصعيد الاجتماعي، أظهر 64% من المستجيبين اعتقادهم بأن السوريين نجحوا بدرجات متفاوتة في الانصهار ضمن بوتقة الأسرة الواحدة، فيما أكدت أغلبية تراوح بين 66% و78% عدم ممانعتها العيش بجوار أشخاص من طوائف أو أديان مختلفة. غير أن 85% أقروا بانتشار خطاب الطائفية، و83% بوجود تمييز مذهبي وديني. هذه المفارقة تكشف أن النزعة إلى التعايش والانفتاح تصطدم بواقع يومي يكرّس التفرقة، وأن الهوية الوطنية السورية لا تزال في طور التشكل، وقابلة لإعادة البناء إذا ما توافرت سياسات جامعة وعدالة انتقالية شاملة.

 

احتفال بجانب تمثال سلطان باشا الأطرش في مجدل شمس عقب الإطاحة بنظام بشار الأسد. (رويترز)
احتفال بجانب تمثال سلطان باشا الأطرش في مجدل شمس عقب الإطاحة بنظام بشار الأسد. (رويترز)

 

الموقف من إسرائيل: إجماع وطني نادر
في القضايا الإقليمية، أظهر السوريون إجماعاً لافتاً حيال الموقف من إسرائيل. واعتبر 78% أنها التهديد الأكبر للمنطقة، و55% أنها الخطر الأول على سوريا نفسها، فيما رفض 74% الاعتراف بها، وأكد 70% رفض أي اتفاق سلام من دون استعادة الجولان. هذا الموقف الموحد يعكس أن فلسطين والجولان لا يزالان عنصرين يجمعان السوريين رغم انقساماتهم الداخلية، ويوفّران أرضية قومية عابرة للطوائف يمكن أن تشكّل أساساً لبناء خطاب وطني جامع. لكنه في الوقت نفسه يضع أي مقاربة براغماتية سريعة أمام مقاومة اجتماعية صلبة.

 

الدين والسياسة: نحو مقاربة مدنية
تشير النتائج أيضاً إلى ميل شعبي متنامٍ نحو الفصل بين المجالين الديني والسياسي، إذ أيّد 57% فصل الدين عن الدولة، ورأى 59% أن التدين يرتبط أساساً بالسلوك الأخلاقي لا بالطقوس وحدها. هذه الأرقام توحي بأن المزاج الشعبي يفضل ترك الدين في حيزه الشخصي والروحي، مقابل إدارة الشأن العام على أسس مدنية. إذا جرى استثمار هذا الميل، فقد يشكّل ركيزة لإعادة بناء الدولة بعيداً عن الأدلجة الدينية التي غذّت الانقسامات خلال سنوات الحرب.

 

الفضاء الرقمي: حرية مقيّدة بالتضليل
برز الفضاء الافتراضي كعنصر جديد في الحياة العامة، إذ يستخدمه 78% من السوريين، ويملك 98% حساباً على وسائل التواصل الاجتماعي. ويستعمله 70% للتعبير عن مواقف سياسية، و67% للتفاعل مع قضايا عامة، بينما يؤكد 76% أنهم قادرون على انتقاد الحكومة من دون خوف. هذه الأرقام تكشف عن توسع المجال العام الرقمي بشكل غير مسبوق، لكنه يرافقه جانب سلبي، إذ يرى 78% أن هذه المنصات تعزز خطاباً طائفياً، ويعتقد 80% أنها تساهم في نشر الأخبار المضللة. أي أن الفضاء الافتراضي يفتح باباً للتعبير والمشاركة، لكنه قد يتحول أيضاً إلى أداة لإعادة إنتاج الانقسام.

 

لوحة مزدوجة
الصورة العامة التي يرسمها "المؤشر العربي" في سوريا 2025 هي مزيج من الأمل والقلق، من الانفتاح والتمييز، ومن التطلع إلى الديموقراطية مقابل المخاوف من الفقر والتفكك. هذه النتائج تشير إلى أن السوريين يمتلكون رصيداً معنوياً يمكن أن يشكّل قاعدة لبناء شرعية سياسية جديدة، لكن هذا الرصيد هش وقابل للتآكل إذا لم يُترجم سريعاً إلى تحسن ملموس في الواقع المعيشي والسياسي.


العلامات الدالة

الأكثر قراءة

فن ومشاهير 6/26/2026 8:57:00 AM
بحسب مصدر مقرب من العائلة، فإن جورج "كان يرغب دائماً في السير على خطى والده".
فن ومشاهير 6/27/2026 9:21:00 AM
محطات من حياتها الشخصية السابقة، وعلى رأسها خطبتها الشهيرة من المطرب محمد عطية عام 2020.
فن ومشاهير 6/28/2026 1:12:00 PM
إقامة ملكية تجمع هاري وميغان ببريطانيا بعد سنوات من الخلاف.
رياضة 6/27/2026 8:05:00 AM
منتخب الرأس الأخضر يصنع المفاجأة في كأس العالم 2026 ويتأهل إلى دور الـ32 بعد إنهائه الدور الأول بثلاثة تعادلات مع إسبانيا وأوروغواي والسعودية... من هو هذا المنتخب؟