بعد فشل حكم الأقلية في سوريا... حكم الأكثرية السنية سيتكرس مع تداعيات على لبنان والمنطقة

المشرق-العربي 21-03-2025 | 08:02

بعد فشل حكم الأقلية في سوريا... حكم الأكثرية السنية سيتكرس مع تداعيات على لبنان والمنطقة

كثر في الأسابيع الأخيرة الحديث عن حلف الأقليات في بلاد الشام لمواجهة صعود نظام جديد في دمشق تسيطر عليه الأكثرية السنية،
بعد فشل حكم الأقلية في سوريا... حكم الأكثرية السنية سيتكرس مع تداعيات على لبنان والمنطقة
عناصر من الأمن السوري في ساحة الأمويين بدمشق. (ا ف ب)
Smaller Bigger

كثر في الأسابيع الأخيرة الحديث عن حلف الأقليات في بلاد الشام لمواجهة صعود نظام جديد بدمشق تسيطر عليه الأكثرية السنية، بحجة أن الإدارة السورية الحاكمة تتكون من مجموعات مسلحة إسلامية، وبعضها كان مصنفاً إرهابياً. وأكثر من يتحدث عن هكذا حلف هما إسرائيل وإيران.

فإسرائيل تقوم باستهداف واضح لمواقع السلطات السورية في محافظتي القنيطرة ودرعا وجنوب دمشق بحجة إنشاء منطقة آمنة. إلا أنها تحضّر الأرضية لدروز سوريا وتشجعهم على تشكيل كانتون خاص بهم ويكونون خط الدفاع الأول عنها في الجنوب. أما إيران، فهي تتحدث عن الخطر على العلويين وتشجعهم على الانتفاضة ضد الحكم، والتحالف مع مكونات أخرى مثل الأكراد. لكن حتى الآن، لم تنل نظرية تحالف الأقليات دعماً قوياً من القوى العربية والغربية. ربما تكون تحظى بدعم روسي خفي، إنما موسكو تريد الحفاظ على مصالحها في سوريا، وطالما السلطات الجديدة هناك تسيطر على الوضع، فهي ستطوّر العلاقة معها على حساب حلفاء الأمس.

مضى على حكومة الرئيس أحمد الشرع ثلاثة أشهر في بلد يعم فيه الدمار والفساد وبحاجة ماسة لجهود تنهي الانقسامات الداخلية التي أحدثتها السياسات المذهبية لنظام الأسد. وليس مستغرباً التصاريح والشعارات التي ترفع من العديد في مناطق السويداء والساحل وفي شمال-شرق البلاد، فالنظام السابق لم يعمل على بناء هوية سورية تشعر المواطنين بأنهم متساوون في الحقوق، بل عمد إلى تهجير أكثر من عشرة ملايين شخص وقتل عشرات الآلاف منهم. وبالتالي، فان إعادة اللحمة الوطنية وترسيخ السلم الأهلي ستكون من أصعب مهام الإدارة الجديدة لإصلاح الانقسامات التي خلفها نظام الأسد. ولن تستطيع الحكومة الجديدة نيل ثقة المجتمع الدولي بشكل كاف لرفع العقوبات كاملة عنها وتلقيها أموالاً لإعادة الإعمار من دون فرض استقرار وسلم داخلي وإشراك مكونات الدولة بالحكم.

لكن ما يجري في سوريا اليوم هو أكبر من إسقاط نظام وتولي مجموعة أخرى مقاليد الحكم. فهو عودة إلى حكم الأكثرية السنية في نظام سيطغى عليه فكر الإسلام السياسي نظراً لخلفية قياداته وعلاقتهم الوطيدة بتركيا. وهذا غير مسبوق في التاريخ الحديث لسوريا، ويشكّل مصدر قلق لإسرائيل التي كانت تحبذ وتدعم حكم الأقلية العلوية التي منذ حرب 1973، لم تسمح بوجود مصدر تهديد حقيقي للدولة العبرية. وفي حين كان حافظ الأسد يستغل علاقته بإيران و"حزب الله" لتحسين وضعه على طاولة مفاوضات السلام مع إسرائيل، تحوّل ابنه بشار إلى أداة بيد إيران بعد الثورة السورية وفقد السيطرة على تحركات ميليشياتها على أراضيه، ما غيّر من المعادلات السابقة وأسقط الفيتو الإسرائيلي الذي حمى نظامه لسنوات. 

أشار وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني بكلمته في مؤتمر بروكسل الأخير إلى أن حكم الأقليات لم يحمِ الشعب السوري، بل تسبب بمقتل وتشريد مئات الآلاف، وهو كان يقصد السنة خصوصاً. فهو كان يشكو من ظلم واستبداد حكم الأقلية الذي جعل الأكثرية مواطنين من الدرجة الثانية. طبعاً لحق الظلم أيضاً بالأكراد والدروز وبعض العلويين في حقبة الأسد. إنما، لم يلتزم الأسد بأي تحالف للأقليات، بل استغلهم وقتل وسجن بعض قادتهم والعديد من أبنائهم. كما انخرط بمحور الممانعة ضمن حسابات جيوسياسية وشخصية أتت بالمنفعة عليه وعلى قادته وأبقتهم بالحكم. وبالرغم من إعطاء نظام البعث نفسه صفة العلمانية، إلا أن القرارات الداخلية في ما يخص التعيينات كانت طائفية ومذهبية بامتياز.

إسرائيل تنظر إلى سوريا اليوم على أنها ستشكل امتداداً لدولة يلعب فيها الإسلام السياسي دوراً أساسياً، وسيربطها تحالف دفاعي - اقتصادي وثيق بتركيا. لا يعكس توجه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو موقف غالبية الإسرائيليين، فنتنياهو ينفذ سياسة اليمين المتشدد الذي يسعى لاستمرار الحرب الإقليمية وقضم أراضٍ سورية. فقد أعربت حكومة الشرع عن نيتها لإنهاء الحروب مع الجيران، في حين تحدث بعض قادة المعارضة الإسرائيلية عن الفرصة السانحة للتوصل إلى اتفاق سلام مع السلطات السورية الحالية، فيكون اتفاق تطبيع يوقع مع حكومة الأكثرية السنية السورية. 

لم يتحدث قادة إيران و"حزب الله" عن حلف أقليات بالعراق لحمايتهم من الأكثرية الشيعية. فبالرغم من أن نظام الحكم بالعراق هو فيدرالي، إلا أنه أعطى الأكراد فقط إقليمهم الخاص. ورغم مشاركة المكونين السني والكردي بالحكم، إلا أن الأكثرية الشيعية تسيطر على مفاصل القرار، وبات هذا الأمر مقبولاً عربياً ودولياً. وهكذا يرجح أن يصبح الحال في سوريا في الفترة المقبلة حيث باتت هناك قناعة لدى قيادات الغرب بأن حكم الأقليات قد فشل، ويمكن تحقيق استقرار أفضل بحكم الأكثرية. 

وسينعكس هذا على لبنان الذي عادة ما يتأثر كثيراً بالتغيرات في سوريا. فـ"حزب الله" سيشعر بالحصار يشتد عليه من الشمال والشرق بعدما أخرجته إسرائيل من معظم الجنوب، وهذا سينعكس قلقاً وخوفاً داخل القوى الشيعية التي ستحاول الدفاع عن مكتسباتها السياسية التي حققتها في العقدين الأخيرين. وستسعى السعودية ومصر لتعزيز علاقاتهما مع سنة لبنان لتخفيف التأثير التركي عليهم من تركيا عبر الحكم في سوريا. ولكن بالرغم من ذلك ستشهد الساحة السنية اللبنانية تنامي الإسلام السياسي المتأثر بتركيا خاصة في منطقتي عكار وطرابلس حيث ينتشر الفقر والحرمان في عدة أحياء وقرى. 


الأكثر قراءة

المشرق-العربي 4/14/2026 4:20:00 AM
لـ"إسهاماتهم في خدمة القضية الفلسطينية وصون الذاكرة الوطنية والثقافية"...
شمال إفريقيا 4/13/2026 12:00:00 PM
مصر تحت صدمة وفاة البلوغر بسنت سليمان بعد بث مباشر مأساوي من شرفة منزلها