نبيل صالح لـ"النهار": سهام "قوس" انطلقت والتفرّد بالسلطة في سوريا خطأ تاريخيّ
أُعلن الخميس في دمشق تأسيس تجمع "القوى الوطنية السورية" (قوس)، استجابةً للحظة المفصلية التي تمر فيها البلاد منذ سقوط نظام الأسد وتسلم أحمد الشرع مقاليد السلطة بتفويض من الفصائل العسكرية في "مؤتمر النصر".
وعرّف التجمّع عن نفسه بأنه "تحالف وطني يستوعب الأفراد والكيانات السُّوريَّة السياسية والاقتصادية والرُّوحية من أجل تقليص حجم الفوضى والأخطاء، والنُّهوض بالدولة، بالتوافق والتعاون مع الحكومة الانتقالية ومن سَيَليها، منعاً من احتكار العمل السياسي وقبولاً بالتشاركية"، وفق النداء الذي توجّه به إلى الشعب السوري.
وطرح التجمع 18 مقترحاً من شأن السير بها أن يساهم في التقدم على طريق تأليف "حكومة وحدة وطنية" وفق قوله. ومن أبرز هذه المقترحات "إعادة تفعيل دستور عام 1950 "لأنّ السلطات الانتقالية لا يجوز لها وضع دستور موقّت، ومن أجل تجنّب حدوث أيّ فراغ دستوري، وإعادة تفعيل عمل الأحزاب، وتفعيل مجالس الإدارة المحلية ووزارتي الثقافة والإعلام، والتزام قواعد العدالة الانتقالية"، ومطالب أخرى تتعلّق بوقف تسريح الموظفين والشفافية في توزيع المساعدات، وغيرها.
وفي هذا السياق، أجرت "النهار" حواراً مع الصحافي السوري البارز نبيل صالح، وعضو مجلس الشعب السابق، وهو أحد مؤسسي التجمّع ومن أبرز الناشطين فيه.
انتهاء الأحزاب الكلاسيكيّة
ويقول صالح في تعريفه للتجمع: "نفترض اليوم انتهاء صلاحية الأحزاب العربية الكلاسيكية، بعد مرور ثلاثة إلى أربعة أجيال عليها من دون أن تجدّد نفسها، حتى فاتها الزمن. وقد تكون إحدى نقاط مقتلها الأساسية ابتكار عدو عرقي أو طبقي أو ديني لتجميع أعضائها بالخوف لا بالمصلحة، بالإضافة إلى أيديولوجياتها التي لم تعد تثير اهتمام أجيال ما بعد الحداثة. لذلك فإن التجمعات الجديدة يجب أن تُبنى على المصلحة المشتركة والأمن الشخصي والوطني للأفراد ضمن ثقافة المواطنة، بمعنى أن مصلحة المواطن وأمنه هي ما يعزز السلم والازدهار الوطني، وهذا ما سعينا إليه في حواراتنا مع الأفراد والأحزاب والنخب الوطنية بحيث يشكل التجمع مظلة جامعة، بغضّ النظر عن الأفكار والمعتقدات التي يتبناها الأفراد المنضوون في التجمع الذي سيسعى إلى التشبيك بينهم بغية تحقيق المنفعة المشتركة والسلام الاقتصادي والاجتماعي، بالتوازن بين مصالح الناس ومصالح الدولة، بحيث يبنون قوة متراصة لا يمكن التعويل عليها، وتشكل القوى الوطنية السورية (قوس) التجمع ليطلق هؤلاء سهام طموحاتهم في مرمى الأهداف المعلنة".
وردَّاً على سؤال عن الأسباب التي دفعت إلى تأسيس هذا التجمع بعد شهرين من سقوط نظام الأسد وعدم اتخاذ الخطوة قبل سقوطه؟ يجيب صالح": "لدينا تجربة سابقة بدأناها عام 2018 حين أسسنا التحالف العلماني السوري، قدمنا فيه نمطاً جديداً للتعاون والتشبيك بين الناس في مواجهة سياسات الاستبداد والتسلط، وقدمنا نموذجاً للعلمانية المشرقية يناسب ثقافة المجتمع السوري، بحيث انضم إليه أيضاً رجال دين من كل الطوائف. وقد قمنا بهذه الخطوة بالتعاون مع فريق كبير من النخب السورية وتحت غطاء مجلس الشعب قانوناً، لكوني كنت نائباً فيه. وقد انضمّ إليه أكثر من أربعة آلاف مواطن سوري خلال 48 ساعة جلّهم من الأحزاب السياسية الكلاسيكية، وأُجهضت التجربة بعد أشهر، إذ اصطفّ أعضاء القيادة القطرية لحزب البعث ووزير الأوقاف والمستشارة لونا الشبل ضدّنا وأطلقوا المخابرات العسكرية في إثر الأعضاء المنضمّين للتحالف، بعد جلسة لمجلس الشعب هاجمني فيها ستون نائباً بتهمة العداء للبعث من دون بينة، وطالبوا برفع الحصانة عنّي ومحاكمتي، ثمّ اكتشفوا أن ليس لديهم ما يحاكمونني عليه قانوناً! بعد ذلك قرّرنا تجميد نشاطنا حفاظاً على أمان الناس، ثمّ تمّ فصل البعثيين منهم وتوقّعنا الأسوأ. لقد كانت تجربة مريرة".
وعن طبيعة التجمّع، وما إذا كان يأتي في إطار تأسيس معارضة داخلية للسلطات الانتقالية الحالية، نتيجة تخوّفهم من استفرادها بالسطلة؟
يقول صالح: "يمكن القول إن غالبية السوريين ممّن ينشدون الحياة بعيداً من السياسة، لم يكونوا مع أيّ طرف في الحرب، وقد اتُّهموا من الطرفين المتنازعين على السلطة، وبالتالي لا يمكن تصنيف أغلبهم ضمن ثنائيات المعارضة والسلطة الكلاسيكية لأنّه سيكون ظلماً كبيراً وتعامياً عن معطيات الواقع وسياق الحياة في الفترة الماضية. سنكون في التجمّع قوّة رافعة لمن يدعم حياتنا وسلامنا وحريتنا من دون وصاية. أمّا بالنسبة إلى موضوع الاستفراد في الحكم فهو أمر أثبت فشله في سوريا منذ انقلاب الجنرال حسني الزعيم في خمسينات القرن الماضي بدعم أميركيّ، وأمام السلطات الحاكمة اليوم فرصة لتأخذ بفلسفة التاريخ وتجاوز أخطاء من سبقوها".
وماذا عن اتصالات التجمع بأحزاب وتجمعات أخرى، مثل الاجتماع الذي ينوي هيثم مناع عقده في جنيف وعدد من المدن السوريّة؟ وهل يطمحون إلى أن يكونوا نواة لتيّار أو حركة أوسع؟
يجيب صالح: "قلنا في بياننا إنّ مظلة التجمّع تتّسع لجميع الكيانات والأفراد ضمن برنامجها التنمويّ، فالاختلاف والتنوّع سمة العدالة والديموقراطية. ومن الحكمة أن تقترب السلطة الحالية من حلفائها بالأمس قبل انقلابهم عليها، أو انقلابها عليهم. قد يكون مؤتمر الأستاذ مناع ضاغطاً عليهم سياسياً لكنّه ليس مؤثّراً على أرض الواقع. يهمّنا تجميع القوى وتآلفها ضمن خطوط وطنية عامّة مع اختلافها في التفاصيل. ويلزمنا الكثير من الحكمة للوصول إلى عقد جامع للفئات السورية التي استيقظت عصبيّاتها القديمة وانفلتت بتوحّش. يلزمنا تنويريون مختصّون بنزع الألغام الثقافية والمذهبية وتحديث برنامج ويندوز السوري".
كيف تتعامل السلطات الانتقالية مع خطوات مثل تأسيس تجمعات وتيارات؟ وهل هناك تضييق أم لا مبالاة؟
يقول صالح: "هناك غياب للقانون وفوضى كبيرة يستغلّها المسلحون والمجرمون، كلّ لهدف مختلف. فبعد تعطيل الدستور والقضاء والشرطة والنقابات والجمعيات باتت الساحة متاحة للجسورين فقط، وأما الخائفون فيضيّعون فرصة أن يصنعوا أمراً طيّباً لأنفسهم أو لوطنهم. نحن في لحظة تاريخية يجب ألّا نفوّتها لاستعادة صوتنا الذي كان مؤمَّماً لمصلحة القائد والحزب، وهي فرصة لنخطو نحو طموحاتنا وأحلامنا بوطن يليق بنا، مثل تلك الأوطان التي يهرب السوريون إليها".
أي موقف للتجمع الوليد من اللجنة التحضيرية لمؤتمر الحوار السوري وبيانها الأول؟ وما أبرز السلبيات والإيجابيات فيهما؟
يجيب صالح: "لم يصرّحوا حتّى الآن عن آليات الاختيار والمواصفات للشخصيات التي ستشارك في المؤتمر العام، وما نعرفه حتى اللحظة أنّ أعضاء اللجنة أقرب إلى خانة الإسلام السياسي، سوى سيدة علمانية تحسن التفاوض وتأخذ ما يسمح به الآخرون، وقد يمثل الرئيس الشرع بيضة القبان في خياراتهم النهائية".
نبض