سمير العيطة السوري الـ"متشائل": عسى الآتي لا يخبىء سايكس بيكو جديداً
بأسلوبه الساخر يبادر الخبير الاقتصادي السوري والمستشار الدولي سمير العيطة الى تقديم نفسه وفق مستجدات الساحة الدمشقية، كالآتي: "أنا سعيد أبو سعد المتشائل". يستأذن قليلاً ليخاطب سيدة بالفرنسية قبل أن يكمل لـ"النهار" حديثه الهاتفي ممازحاً: "هذه السيدة تريد أن تأخذ مقعدي "سلبطة" في الرحلة المتوجّهة من فرنسا إلى إيرلندا". يعلّق: "نعم، السلبطة موجودة في كل مكان... وليست وليدة استسلام شعوبنا".
يبادر حديثه بالإشارة إلى نصف الكوب الفارغ الذي لا يريد أحد في سوريا رؤيته، على رغم الانتصار الكبير الذي تحقق برحيل نظام الأسد. "الجميع ينظرون الى النصف الملآن ويبتهجون للمناسبة، لكن ماذا بعد؟"، سؤال يؤرّق الاقتصادي الذي لا يمكن أن يتجاوز هواجسه بالنظر الى تجاربه التي أخذته إلى لبنان ومصر وفرنسا والعديد من الدول، بعد تسريح حزب البعث لوالده من عمله مع كثير من الكوادر السورية بعد انقلاب 1963، ليشغل الإبن لاحقاً منصب رئيس منتدى الاقتصاديين العرب ورئاسة تحرير النشرة العربية من "لوموند ديبلوماتيك" وأستاذ محاضر في الاقتصاد السياسي في جامعة باريس دوفين، وجامعة باريس الثانية السوربون، وجامعة القديس يوسف في بيروت؛ وخبير استشاري في مجالات الاقتصاد والمال والعمل والتخطيط العمرانيّ والإدارة.
لم تكن الحياة خارج سوريا بالأمر اليسير بالنسبة إلى "ابن العائلة الدمشقية المعروفة"، ذلك أن والده الدكتور أحمد عدنان العيطة مصرفي سوري من مؤسّسي مصرف سوريا المركزي، وأول مفوّض حكومي فيه ومن مؤسسي مرفأ اللاذقية بقرار من رئيس الحكومة آنذاك خالد العظم. أما جده لوالدته، فهو الفنان التشكيلي محمد سعيد تحسين بك، وخاله المقدم مأمون تحسين بك ضابط سوري والمرافق العسكري للرئيس السوري الأسبق شكري القوتلي. ولا يفوته أن يذكر والدته في الحديث عن الأنساب: "منها أخذت روح الكوميديا السوداء. لقد كانت ناشطة، وأول إمرأة ترأس فريق "فولي بول"، وتجرّأت على كسر تابو ذهاب الفتيات إلى المسابح في سوريا".
يقول: "نعم، عشت معظم حياتي خارج سوريا، ووجدانياً متزوج بأربع: الشام وبيروت والقاهرة وباريس". وفي عام 1972، إلتحق الفتى الدمشقي بالمدرسة الفرنسية "بوليتيكنيك" الملقبة بحرف "إكس"، والتي تعدّ من أقطاب البحث العلمي العالي الفرنسي والأوروبي، مع زميلين له هما شربل نحاس وكارلوس غصن، ثّم تابع دراساته العليا في التقنيات النووية والمحاسبة والتحكم الإداري.
وظل يتردد على الشام إلى حين "الغضبة الكبرى" عليه عام 2011 من بشار الأسد يوم استضافه الإعلامي اللبناني مارسيل غانم، فأعطى رأيه في حاكم سوريا من دون مجاملة. يقول: "حدث الأمر نفسه مع سمير قصير، وقد اختبأ في غرفة فندقي في بيروت ذات يوم. والواقع، فكرة أن نناصر الدولة وننتقد السلطة حين تستبدّ أو تُخطئ ليست بالأمر المسموح في بلادنا. ربما تأخذنا هذه العنجهية في آخر المطاف إلى واقع أكثر مرارة من سايكس بيكو".
"متشائل"، يؤكّد العيطة الذي يقرأ في الآتي بوادر تقسيم وطمع إسرائيليين واضحين باستعادة حلم إسرائيل الكبرى بموافقة الرئيس الأميركي دونالد ترامب الحالم هو الآخر بـ"نوبل للسلام"، الجائزة التي ستكون واجهة لما تحت الثلج: "ترامب نفسه يردّد أن إسرائيل بحاجة الى مزيد من الأراضي". يقول: "لذلك أخذتني الأفكار بينما كنت في طريق العودة إلى سوريا قبل أسابيع مضت، وبعد غياب أكثر من عقد، إلى أنّ السوريين أمام واحد من خيارين "بين إسرائيل الكبرى أو العودة الى الوصاية العثمانية، ربّما الأخيرة أفضل لكوننا اختبرنا ممارسات الأولى ومخططاتها لشعوبنا"، يقول لافتاً: "مشكلتنا مع إسرائيل أنها ترى فينا مجرّد قبائل وطوائف ولسنا شعوباً تطرُب للحرية".
يقارن بين نظام الأسد والإدارة السورية الجديدة: "المشكلة مع آل الأسد أنهم حين يغضبون على شخص يلغون فكرة وجوده في هذه الحياة من الأساس. أما بالنسبة إلى الإدارة الجديدة، فالأمور لا تزال غير واضحة. لقد كانوا لطفاء في الشام، ومعي حين عبرت من مركز الجديدة، لكن حين تظهر المجموعات الملثّمة في الأحياء، يعتريني القلق وتطلّ الهواجس متمثلة بالعناوين الكبرى التي ينادون بها: ماذا يعني الاقتصاد الحرّ واعتماد نموذج إدلب، الأوّل تخلّت عنه الدول الغربيّة إذ لا يخلق نموّاً والثاني يقوم على التهريب".
ينطلق العيطة في الجانب الاقتصادي من تشريح نموذج الاقتصاد الحر: "وفق تجربة حكومة الإنقاذ لهيئة تحرير الشام في حكم إدلب منذ عام 2017 وبعد انفتاح أسواق البلاد على البضائع التركية، تواجه غالبية الصناعيين معضلة ارتفاع تكلفة التصنيع المحلي مقارنة بأسعار البضائع الآتية من تركيا". يضيف: "لا يتجاوز عدد سكان إدلب 3 ملايين، وقد أخذت المنظمات الدولية على عاتقها حيّزاً مهماً من الجانبين الاجتماعي والمعيشي لمعظم السكّان. أما في الحالة السورية عموماً، فالمسألة أكثر تعقيداً، وخصوصاً في ظل استمرار العقوبات الدولية. هنا السؤال: ماذا يعني الاقتصاد الحر في ظلّ العقوبات؟".
يضيف: "لا يفوتنا التهليل لفكرة أنه صار بإمكان السوري الحصول على الموز والكيوي وتعبئة المحروقات من دون بطاقة ذكيّة وشراء السيارات بربع الثمن، ولكن الحقيقة أن المصرف المركزي فارغ من الدولارات على رغم وجود الذهب. وهذا يعني أنه من دون ضبط "الكاش" في البلد لن تُرفَع العقوبات".
في مرحلة ما بعد بشار، يرى العيطة أن الاقتصاد "المنهوب" تنفّس الصعداء، لكن استجدّت "بسطات صيرفة"، وهو أمر ينذر بالتحوّل الى ما يشبه النموذج اللبناني: "عدم ثقة بالمصارف وانفلات الكاش بالعملة الصعبة عشرة أضعاف الكاش اللبناني".
وهناك أكثر من استحقاق يُفترض عدم التهاون به: "العدد الكبير لموظفي الدولة الذين خسروا مورد رزقهم على اعتبار أنهم محسوبون على النظام البائد. كيف يتمّ التعاطي مع هذه الفئة؟". ويلفِت: "آنذاك إن لم تكن بعثياً لا تحصل على وظيفة. لكن هل ناصر جميعهم فعلاً النظام؟".
ويتوقّفعند مسألة جوهرية: "الأمر المرعب يتمثل في حلّ الجيش السوري. فقد عاشت الشعوب مخاض تشكيل جيوشها بكثير من الحذر، ذلك أن الإجراء يحتاج إلى عقيدة ومنطق دولة لا يشبه ما نادى به أكرم حوراني لجهة إدخال السياسة إلى المؤسسة العسكرية. عام 1945، تأسّس الجيشان الوطنيّان اللبناني والسوري من ميليشيات طائفية كان الانتداب الفرنسي قد شكّلها. ماذا عن الظرف الحالي؟".
أما لجهة المرحلة الانتقالية، فيشدد على "ضرورة الاستفادة من الخبرات السورية وإن استدعى الأمر التعاون مع الكوادر القديمة في ظلّ حكومة تشاركية": "لا ننسى أنّ من صمد في الداخل ليحمي مؤسسات الدولة تُحسب له وطنيّته أكثر ممّن اختار حماية رأسه بطلب اللجوء. هؤلاء خبراء في "دحاويش الداخل"، ولا شك في أن لديهم حنكة التعاطي مع أمور الدولة على مفترق خطير وفي ظلّ خصوصية الوضع المعقد في الجولان، وعدم السيطرة الأمنية في مناطق مثل حوران وجبل الدروز وحمص والساحل السوري". أما نصيحة العيطة للإدارة السورية فهي: "صلّوا على النبي واعملوا ما فيه لخير سوريا من حكومة تشاركية ليس فيها تهميش لأيّ طرف. ولمن تورّط بالدم هناك محاكم وعدالة انتقالية".
نبض