أول زيارة سورية للسعودية... طمأنة وتوازن وغطاء لشرعنة الانتقال
في أول زيارة من الإدارة السورية الجديدة للخارج، حطَّ، الأربعاء، وفد سوري رفيع ضم كلاً من وزيري الخارجية والدفاع ورئيس الاستخبارات في العاصمة السعودية الرياض.
وعادةً ما تحمل الزيارة الأولى لأي بلد رسائل خاصة ترتبط بالرغبة السياسية لدى الضيوف في تعميق العلاقة مع البلد المضيف، وتمتين الأواصر معه.
ولا تخرج زيارة الوفد السوري عن هذه القاعدة العامة، بل ثمة مؤشرات تعززها أكثر، مثل اختيار أحمد الشرع (الجولاني) قائد الإدارة الجديدة قناة "العربية" لإجراء أول مقابلة مع فضائية عربية، وكذلك تصريحه بأن التغيير الذي حصل في سوريا يحمي أمن الخليج لخمسين عاماً، وإشارته إلى السعودية على أنها مسقط رأسه.
ولم تكد طائرة الوفد السوري تحط على أرض مطار الملك خالد الدولي في الرياض حتى غرّد وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني على حسابه في منصة "إكس": "وصلت منذ قليل للمملكة العربية السعودية الشقيقة"، وأضاف أنه "من خلال هذه الزيارة الأولى في تاريخ سوريا الحرة، نطمح إلى أن نفتح صفحة جديدة ومشرقة في العلاقات السورية السعودية تليق بالتاريخ العريق المشترك بين البلدين". وهو ما يؤكد مدى رغبة الإدارة الجديدة في بناء علاقات قوية مع المملكة وفق أسس مختلفة عما كانت عليه الحال في عهد النظام الزائل.
واعتبر مراقبون سوريون أن اختيار الرياض لتكون محط أول زيارة لوفد من الإدارة الجديدة، هو اختيار صائب وينمّ عن حنكة لدى الديبلوماسية السورية الجديدة لأنه يشير إلى وعي تام بالتعقيدات التي تحيط بالملف السوري وضرورة الحفاظ على التوازن في العلاقات مع الدول الأخرى.
وبعثت هذه الزيارة أيضاً شعوراً عاماً بالارتياح لدى أوساط الشعب السوري، لما حملته من رغبة حقيقية في العودة إلى الحضن العربي من بوابة السعودية بكل ما تحمله الأخيرة من ثقل سياسي واقتصادي في المنطقة.
وفي الواقع، فإن مواقف السوريين المرحبة بالزيارة تضمر في خفاياها تململاً بدأ بالتنامي في الأسابيع الثلاثة الأخيرة جراء ما اعتبره سوريون مساعي تبذلها تركيا لاحتكار هندسة المشهد السوري الجديد، وإعطاء انطباع بوجود بصماتها على تشكيلة النظام الجديد وتوجهاته. وهو ما جاءت الزيارة السعودية لتخفف من وقعه، وتعطي السوريين أملاً بالانفتاح على عمقهم العربي الحقيقي، من دون أن يعودوا إلى الدوران في دوامات المحاور والتحالفات الضيقة.
ومع ذلك، لا تبدو مهمة الوفد السوري في الرياض سهلة على الإطلاق، إذ إن هناك الكثير من العقبات والتحديات التي يمكن أن تعترض مسار بناء علاقات سليمة وقوية بين البلدين.
وكان وفد سعودي قد زار دمشق في 22 كانون الأول (ديسمبر) والتقى أحمد الشرع في أول اتصال بين الطرفين منذ فرار بشار الأسد. لكن عدم نشر صور من اللقاء، ومغادرة الوفد من دون أن يدلي بأي تصريحات، أثارا تساؤلات عديدة بشأن ما جرى فيه، وما إذا كان الهدف منه مجرد جس نبض القيادة الجديدة لمعرفة توجهاتها ورؤيتها لبناء سوريا الجديدة، قبل تحديد الموقف النهائي منها.
ومن أهم التحديات التي يمكن أن تذكر في هذا السياق، أن السعودية ودولاً عربية أخرى لديها هواجس من الخلفية الإسلامية المتشددة التي أتى منها حكام سوريا الجدد، كما أن التحالف القوي مع تركيا من شأنه أن يعيد إلى الأذهان مشروع إحياء الإسلام السياسي والعمل على تصديره إلى دول المنطقة.
ويبدو أن اصطحاب الشيباني زميليه وزير الدفاع السوري اللواء مرهف أبو قصرة، ورئيس الاستخبارات أنس خطاب، يهدف إلى طمأنة الرياض بشأن بعض القرارات والإجراءات التي اتخذتها الإدارة الجديدة، وخصوصاً ترفيع جهاديين من جنسيات عربية وآسيوية وتركستانية ومنحهم رتباً رفيعة في الجيش الجديد، إذ يثير هذا الترفيع مخاوف العديد من البلدان حيال قدرة الإدارة الجديدة على ضبط هذه النماذج الجديدة وعدم سعيها إلى تصدير "الجهادية" إلى دول أخرى.
لكن الهم الأساسي الذي يشغل بال الإدارة الجديدة في هذه المرحلة، هو رغبتها في تأمين مظلة عربية وإقليمية، وربما دولية، للاعتراف بما تتخذه من إجراءات انتقالية لبناء دولة جديدة، مثل عقد مؤتمر وطني عام وتشكيل حكومة انتقالية ووضع دستور جديد، ومن ثم إضفاء شرعية على مقرراتها. وتدرك دمشق أن السعودية هي بوابة رئيسية لتأمين مثل هذا الغطاء نظراً لاتساع علاقاتها الإقليمية والدولية، وبسبب ثقلها السياسي في المنطقة.
ومن الهواجس التي تؤرق الإدارة الجديدة ملف المعارضة الخارجية وبنود القرار 2254، ولا شك في أن الوفد السوري سوف يشرح للمسؤولين السعوديين أسباب تخلي دمشق عن القرار الأممي، ويطلب عدم وضع تنفيذ القرار شرطاً للاعتراف بالنظام الجديد، أو إيجاد صيغة للالتفاف على بعض بنوده.
وتحتاج دمشق كذلك إلى دعم سريع وعاجل لتمرير المرحلة الانتقالية وتأمين تكاليف إدارة البلاد في ظل توقف عجلة الإنتاج نسبياً، وحالة الشلل التي تعيشها معظم المؤسسات والشركات والمصانع السورية نتيجة الفوضى الأمنية في بعض المناطق، وانفراط رزمة القوانين والتشريعات التي كانت تعمل بموجبها، وكذلك في ظل الغموض الذي يحيط بمصير الكثير من المنشآت المتهمة بتبعيتها لشخصيات من النظام السابق.
نبض