83 مليار دولار للدفاع... كيف تصل صواريخ الحوثيين إلى الرياض؟
عشرون هجوماً على مطار الملك خالد الدولي في الرياض خلال النصف الأول من تشرين الأول/أكتوبر، أسفرت عن مقتل 17 شخصاً وإصابة 333 آخرين، وفق أحدث أرقام أعلنها التحالف الذي تقوده السعودية. وتثير هذه الحصيلة سؤالاً أساسياً: كيف تنجح صواريخ الحوثيين في الوصول إلى منشآت حيوية داخل المملكة، رغم إنفاقها عشرات المليارات من الدولارات على منظومات الدفاع الجوي؟
تكشف الهجمات الأخيرة عن تحديات تتداخل فيها الجغرافيا الشاسعة مع طبيعة الأسلحة المستخدمة وكلفة اعتراضها، فضلاً عن الضغوط المتزايدة على مخزونات الصواريخ الدفاعية.
ترسانة ضخمة أمام تهديدات متعددة
بحسب معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام، أنفقت السعودية نحو 83.2 مليار دولار على قواتها العسكرية عام 2025، محتلة المرتبة الثامنة عالمياً في الإنفاق العسكري.
وتضم ترسانتها مقاتلات أميركية متطورة ومنظومات "باتريوت" و"ثاد"، إلى جانب أسلحة أوروبية من فرنسا وبريطانيا.
لكن حماية دولة تتجاوز مساحتها مليوني كيلومتر مربع تفرض تحدياً استثنائياً، خصوصاً مع انتشار المطارات والمصافي النفطية وخطوط الأنابيب والمنشآت الصناعية على امتداد أراضيها.
وتواجه المملكة تهديدات من اتجاهات مختلفة. فمن الشرق، أطلقت إيران صواريخ ومسيّرات على أهداف سعودية خلال الحرب الإقليمية، ومن الشمال استهدفت مسيّرات أطلقتها فصائل مدعومة من طهران في العراق خط الأنابيب النفطي الممتد بين شرق المملكة وغربها. أما جنوباً، فيواصل الحوثيون إطلاق صواريخ ومسيّرات من مناطق سيطرتهم في اليمن.
وتنقل شبكة "سي إن إن" عن مصدر سعودي أن وزارة الدفاع تواجه خيارات صعبة في توزيع المنظومات المتاحة على المنشآت المعرّضة للاستهداف.
وتزداد هذه المعضلة تعقيداً مع تعدد الهجمات وتزامنها، ما يفرض توزيع قدرات الرصد والاعتراض بين أهداف استراتيجية متباعدة.

.
صاروخ بثلاثة ملايين دولار لاعتراض مسيّرة رخيصة
تتجلى المشكلة الثانية في الفجوة بين كلفة الهجوم وكلفة الدفاع.
فمنظومات "باتريوت" قادرة، بحسب طرازاتها، على التعامل مع الصواريخ الباليستية وبعض التهديدات الجوية الأخرى، بينما تتخصص منظومات "ثاد" في اعتراض الصواريخ الباليستية على ارتفاعات أعلى.
في المقابل، يستخدم الحوثيون طائرات مسيّرة منخفضة التكلفة وصواريخ كروز يصعب اكتشاف بعضها مبكراً، إضافة إلى صواريخ باليستية أكثر تطوراً.
وبحسب "نيويورك تايمز"، تتجاوز كلفة بعض صواريخ "باتريوت" الاعتراضية ثلاثة ملايين دولار، مقابل ما بين 15 ألفاً و25 ألف دولار للمسيّرة الواحدة.
وتفرض هذه الفجوة تحدياً اقتصادياً وعسكرياً، إذ يصبح استخدام ذخائر اعتراضية باهظة الثمن لمواجهة أهداف رخيصة عبئاً متزايداً مع استمرار الهجمات.
وتتفاقم المشكلة بفعل الضغوط على مخزونات الصواريخ الاعتراضية، نتيجة استخدامها المكثف في حروب أوكرانيا والشرق الأوسط، وما يرافق ذلك من ضغوط على الإنتاج والإمدادات.

أين تبدأ ثغرات الرادارات؟
تبدأ إحدى أبرز الصعوبات قبل لحظة الاعتراض، وتحديداً عند محاولة اكتشاف التهديدات القادمة.
فصواريخ كروز والمسيّرات التي تحلّق على ارتفاعات منخفضة قد تبقى خارج نطاق الرصد المباشر للرادارات الأرضية حتى اقترابها، بسبب انحناء الأرض والتضاريس.
وتشير "نيويورك تايمز" إلى أن بعض أكثر الدفاعات السعودية تطوراً يتمركز في المنطقة الشرقية لحماية المنشآت النفطية، فيما تبقى تغطية مساحات واسعة من البلاد تحدياً مستمراً.
وتضيف الهجمات المركّبة مستوى آخر من التعقيد. فقد نقلت وكالة "أسوشييتد برس" عن مسؤولين إقليميين أن التحقيقات الأولية في الهجوم على مطار الرياض أظهرت استخدام الحوثيين مسيّرات متعددة، أعقبتها صواريخ باليستية وصواريخ كروز، في محاولة لإرباك الدفاعات.
ويؤدي وصول تهديدات مختلفة خلال فترة قصيرة إلى زيادة الضغط على أنظمة الرصد والتصنيف والاعتراض، خصوصاً عندما تتزامن مع ضرورة إصدار تحذيرات مبكرة للسكان.
وتبرز في هذا السياق أهمية أنظمة الإنذار المبكر المحمولة جواً، وتكامل الرادارات الأرضية مع المقاتلات ووسائل الدفاع القصيرة المدى، لتوسيع نطاق الكشف وتوزيع عمليات الاعتراض على طبقات متعددة.
ورغم نجاح الدفاعات السعودية في اعتراض عدد من الصواريخ والمسيّرات، تكشف الهجمات الأخيرة حدود الاعتماد على المنظومات المتطورة وحدها، في مواجهة تهديدات منخفضة التكلفة ومتعددة الاتجاهات.
وتبقى المعضلة الأساسية في قدرة المملكة على توفير حماية مستدامة لشبكة واسعة من المنشآت الحيوية، بينما يستطيع الحوثيون مواصلة الضغط العسكري والاقتصادي عبر هجمات متكررة.
نبض
