دبي: مدينة غيّرت خريطة الإعلام العربي

الخليج العربي 11-09-2026 | 05:53

دبي: مدينة غيّرت خريطة الإعلام العربي

مطلع الألفية حمل رهاناً مختلفاً: ماذا لو أمكن بناء مركز إعلامي عربي جديد، لا يقوم على مؤسسة أو قناة واحدة، بل على بيئة تجمع المؤسسات والصحافيين وشركات الإنتاج والإعلان والتكنولوجيا في مكان واحد؟
دبي: مدينة غيّرت خريطة الإعلام العربي
دبي: مدينة غيّرت خريطة الإعلام العربي (تصميم "النهار").
Smaller Bigger

قبل خمسة وعشرين عاماً، كان جزء مهمّ من الإعلام العربي العابر للحدود يُدار من خارج المنطقة. لندن كانت مقرّاً لعدد من أبرز المؤسسات الإعلامية العربية، فيما احتفظت القاهرة وبيروت بثقلهما التاريخي، وكانت دبي لا تزال تبني موقعها على خريطة إعلامية بدت، في ذلك الوقت، شبه مستقرّة.

 

لكن مطلع الألفية حمل رهاناً مختلفاً: ماذا لو أمكن بناء مركز إعلامي عربي جديد، لا يقوم على مؤسسة أو قناة واحدة، بل على بيئة تجمع المؤسسات والصحافيين وشركات الإنتاج والإعلان والتكنولوجيا في مكان واحد؟

 

من هنا بدأت قصّة مدينة دبي للإعلام.

وبالتوازي تقريباً، كانت دبي تبني بنية أخرى للإعلام العربي، لا تتعلق بالمقارّ والاستوديوهات فقط. تأسّس نادي دبي للصحافة عام 1999، وانطلقت جائزة الصحافة العربية التي ستصبح لاحقاً "جائزة الإعلام العربي"، ثمّ جاء منتدى الإعلام العربي عام 2001.

 

كان المشروع، بهذا المعنى، يسير على خطين متوازيين: مكان يعمل منه الإعلام، ومنصّة يلتقي عليها الإعلام العربي ويناقش مستقبله ويكرّم تميّزه.

بعد ربع قرن، يمكن العودة إلى تلك اللحظة وطرح السؤال الأهم: ماذا فعلت دبي فعلياً بخريطة الإعلام العربي؟

 

عندما تحرّك المركز

في مطلع الألفية، لم تكن الجغرافيا وحدها هي التي تتغيّر. صناعة الإعلام نفسها كانت تدخل مرحلة انتقالية كبرى.

 

الفضائيات كسرت الحدود الوطنية للبث، والأقمار الاصطناعية صنعت جمهوراً عربياً يتابع الشاشة نفسها من المغرب إلى الخليج، فيما كان الإنترنت يدخل تدريجاً إلى غرف الأخبار ويعيد صياغة علاقة الجمهور بالخبر.

 

وسط هذا التحوّل، تأسّست مدينة دبي للإعلام لتوفر بيئة متخصّصة للمؤسسات الإعلامية، ضمن نموذج المنطقة الحرّة الذي أتاح الملكية الأجنبية الكاملة للشركات، ووفّر بنية تحتية وخدمات تجارية وتقنية مصمّمة للصناعة.

 

لكن الامتحان الحقيقي لم يكن في بناء المكاتب والاستوديوهات.

كان السؤال: هل ستأتي المؤسسات فعلاً؟

جاء أحد أهم الأجوبة عام 2002.

بعد أكثر من عقد على انطلاقها من لندن عام 1991، نقلت مجموعة MBC مقرّها إلى دبي. ولم يكن القرار مجرد انتقال شركة من مدينة إلى أخرى. فـMBC كانت أحد رموز مرحلة «الإعلام العربي المهاجر»، الذي اتخذ من العاصمة البريطانية قاعدة له للوصول إلى جمهور المنطقة.

وفي عام 2003، انطلقت قناة "العربية" من دبي، ومع السنوات جذبت المدينة مؤسّسات إقليمية وعالمية من قطاعات الإعلام والإعلان والإنتاج. واستقرّت فيها أسماء مثل CNN ورويترز وDiscovery Networks، إلى جانب مجموعات إعلانية عالمية بينها WPP وPublicis Groupe.

 

عندها بدأت فكرة "المدينة الإعلامية" تتجاوز العقارات والمكاتب.

المؤسسة التي تأتي إلى دبي تجد حولها منظومة كاملة: شركات إنتاج وإعلان، خدمات تقنية، مواهب من أسواق عربية مختلفة، ومؤسسات أخرى تعمل في الصناعة نفسها.

 

وبدأت بذلك حركة معاكسة لمسار عرفه الإعلام العربي طويلاً: أصبح ممكناً لمؤسسة تخاطب الجمهور العربي عبر المنطقة أن تدير جزءاً أساسياً من عملياتها من مدينة عربية.

 

من تجمّع للمؤسسات إلى سوق للمواهب

مع المؤسسات جاءت الكفاءات.

خلال سنوات، أصبحت دبي نقطة التقاء للصحافي اللبناني والمنتج المصري والمذيع السوري والمخرج الأردني وخبير الإعلان الخليجي والمتخصّص التقني القادم من سوق أخرى.

وهنا ربما يقع أحد التحولات الأقل ظهوراً في قصّة دبي: نشوء سوق عمل إعلامية عربية عابرة للحدود داخل المنطقة نفسها.

وتوسّعت المنظومة تدريجاً.

إلى جانب مدينة دبي للإعلام، تطوّر ما يعرف اليوم بـ"المجمع الإعلامي" التابع لمجموعة TECOM، الذي يضم أيضاً مدينة دبي للإنتاج ومدينة دبي للاستوديوهات.

وتشير أحدث بيانات المجموعة إلى أن هذا المجمع يضم أكثر من 4 آلاف شركة، وأكثر من 40 ألف مهني ومبدع يعملون في قطاعات الإعلام والإنتاج والمحتوى والصناعات المرتبطة بها.

وبات المجمع مقرّاً لأكثر من 60 في المئة من شركات Fortune 500 العاملة في قطاع الإعلام، وفق بيانات مدينة دبي للإعلام.

الأرقام تكشف أن ما بدأ كمشروع لاستقطاب المؤسسات أصبح، بعد ربع قرن، منظومة اقتصادية ومهنية متكاملة.

 

من الإعلام إلى اقتصاد المحتوى

لكن المدينة التي بدأت رحلتها مع القناة والصحيفة ووكالة الإعلان لم تعد تتعامل اليوم مع الصناعة نفسها.

بين مطلع الألفية و2026، تغيّر تعريف "الإعلام".

دخلت المنصّة الرقمية، والبث عند الطلب، والبودكاست، والألعاب، وصانع المحتوى المستقلّ، وشركات التكنولوجيا وتحليل البيانات والذكاء الاصطناعي إلى قلب المشهد.

ولم يعد إنتاج المادة الإعلامية ينتهي عند لحظة الطباعة أو البث. أصبح المحتوى يتحرك عبر سلسلة تبدأ بالفكرة، وتمر بالإنتاج والتكنولوجيا والتوزيع والإعلان والمنصّات، وتنتهي لدى جمهور يستهلك المادة في أيّ وقت ومن أيّ شاشة.

لهذا اتسع رهان دبي من "قطاع الإعلام" إلى مفهوم أكبر هو الاقتصاد الإبداعي.

وفي عام 2021، أطلقت الإمارة استراتيجية دبي للاقتصاد الإبداعي، في محاولة لترسيخ موقع المدينة مركزاً عالمياً للصناعات الثقافية والإبداعية واستقطاب الشركات والمواهب والاستثمارات المرتبطة بها.

والأرقام الأخيرة تعطي فكرة عن حجم هذا التحوّل.

ففي عام 2024، حافظت دبي للعام الثالث على التوالي على المرتبة الأولى عالمياً في استقطاب مشاريع الاستثمار الأجنبي المباشر الجديدة في الصناعات الثقافية والإبداعية، وفق بيانات "FDI Markets" التابعة لمجموعة «فايننشال تايمز».

واستقطبت الإمارة خلال ذلك العام 971 مشروعاً في هذه الصناعات، بزيادة بلغت 8 في المئة عن عام 2023.

 

أما تدفقات رؤوس الأموال المرتبطة بهذه المشاريع فبلغت نحو 18.86 مليار درهم، بارتفاع يقارب 60 في المئة، وأسهمت المشاريع في توفير 23,517 فرصة عمل جديدة.

واللافت أن القطاعات التي دفعت هذا النموّ لم تعد محصورة بالإعلام التقليدي، بل شملت الإعلان والعلاقات العامة، وصناعة الأفلام والإعلام والألعاب، وتصميم البرمجيات، والذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي والحلول السحابية.

هنا تظهر المسافة الفعلية بين 2001 و2026.

 

قبل ربع قرن كان السؤال: كم قناة وصحيفة ووكالة إعلان تستطيع المدينة استقطابها؟

اليوم أصبح السؤال: كم منصة وشركة تكنولوجيا واستوديو إنتاج ومطوّر ألعاب وصانع محتوى وموهبة إبداعية يستطيعون أن يجعلوا من المدينة قاعدة لعملهم؟

 

المدينة التي أصبح الإعلام العربي يلتقي فيها

لكن أثر دبي في المشهد الإعلامي لا يمكن قياسه بعدد الشركات والاستثمارات وحدها.

في عام 1999 تأسس نادي دبي للصحافة، ثم انطلق منتدى الإعلام العربي عام 2001، ليتحوّل مع السنوات إلى أحد أبرز المواعيد التي تجمع الإعلاميين ورؤساء التحرير والكتّاب وصنّاع القرار والعاملين في القطاع من أنحاء المنطقة.

وبذلك اكتسبت دبي وظيفة ثانية.

فهي ليست فقط مقرّاً تعمل منه مؤسّسات إعلامية، بل مكانٌ يجتمع فيه العاملون في الصناعة لمناقشة ما يحدث لها: من مستقبل الصحافة ونماذج الأعمال إلى صعود المنصّات الاجتماعية واقتصاد المحتوى والذكاء الاصطناعي.

ولعلّ جائزة الإعلام العربي تختصر هذا التحوّل بوضوح.

فالجائزة التي بدأت بصفتها "جائزة الصحافة العربية" واكبت مرحلة كانت فيها الصحافة، المطبوعة والرقمية لاحقاً، محور المشهد. وفي 28 نوفمبر 2021 أعلن نادي دبي للصحافة إطلاق "جائزة الإعلام العربي" بهيكلها الجديد، لتتوسّع من الصحافة إلى ثلاثة قطاعات رئيسية: الصحافة، والإعلام المرئيّ، والإعلام الرقمي.

لم يكن تغيير الاسم وحده هو المهم.

كان التحوّل اعترافاً بأن تعريف الإعلام نفسه لم يعد كما كان عند بداية الجائزة.

الجائزة تغيّرت لأن الصناعة تغيّرت.

ودبي التي بدأت ببناء مكان للمؤسسات الإعلامية أصبحت تبني حول هذا المكان شبكة من الفعاليات والجوائز والملتقيات والمواهب والصناعات الإبداعية.

 

الخريطة لا تبقى ثابتة

غير أن إحدى أهم نتائج تجربة دبي ربما تكمن في أنها لم تجعل الخريطة الإعلامية العربية ثابتة، بل أسهمت في جعلها أكثر تنافسية.

اليوم تتحرك الخريطة مجدداً.

مدن عربية أخرى تستثمر بقوة في الإعلام والترفيه والمنصات والإنتاج والصناعات الإبداعية والتكنولوجيا، وتتنافس على المؤسسات والمواهب ورؤوس الأموال.

وهذا يعني أن التحدي الذي تواجهه دبي في 2026 ليس التحدي نفسه الذي واجهته مطلع الألفية.

في ذلك الوقت، كان عليها أن تقنع المؤسسات الإعلامية بأن تنتقل إلى مركز عربي جديد.

اليوم، أصبحت المنافسة أوسع: على شركات التكنولوجيا والمنصّات الرقمية واستوديوهات الألعاب والإنتاج وصنّاع المحتوى والمواهب التي ستصنع أشكال الإعلام المقبلة.

 

من 2001 إلى 2051

ربما يكون التحوّل الأعمق الذي أحدثته تجربة دبي هو تغيير معنى "المركز الإعلامي" نفسه.

قبل ربع قرن، كان وزن مدينة إعلامياً يقاس بعدد الصحف التي تصدر منها والقنوات التي تبث منها.

اليوم أصبح المركز الإعلامي شبكة أكثر تعقيداً: مؤسّسات صحافية وتلفزيونية، شركات إعلان وإنتاج وتكنولوجيا، منصّات رقمية، استوديوهات، صنّاع محتوى، مطوّرو ألعاب، خبراء بيانات وذكاء اصطناعي، ومواهب تستطيع الانتقال بين كل هذه القطاعات.

وأحد مؤشرات نجاح الرهان أن دبي لم تعد وحدها في هذا السباق.

فالمنافسة التي تخوضها مدن عربية اليوم لاستقطاب المؤسسات والمنصات والمواهب تكشف أن الفكرة التي كانت جديدة مطلع الألفية أصبحت جزءاً من سياسات المنطقة: الإعلام صناعة، والمحتوى اقتصاد، والمواهب قوة جذب تتنافس عليها المدن.

 

قبل خمسة وعشرين عاماً كان السؤال: هل يمكن للإعلام العربي أن يعود من مراكزه في الخارج إلى مدينة عربية جديدة؟

أما اليوم، فلم يعد السؤال أين سيكون مقر القناة أو الصحيفة فقط.

السؤال الذي يبدأ منه ربع القرن المقبل هو: أين ستنشأ المنصّة، والاستوديو، وشركة الألعاب، ومختبر الذكاء الاصطناعي، والمبدع الذي سيصنع إعلام 2051؟

دبي كانت واحدة من المدن التي غيّرت الإجابة عن السؤال الأول.

والسباق الآن مفتوح على الإجابة عن الثاني.

 

الأكثر قراءة

لبنان 9/10/2026 1:04:00 PM
حدّد القرار شروطاً فنية لتركيب الألواح على أسطح الأبنية.
لبنان 9/10/2026 2:44:00 PM
المجلس الدستوري يوقف مفعول قانون العفو العام... ماذا يعني القرار؟
لبنان 9/10/2026 9:24:00 PM
رصد نظام الإنذار زلزالاً في جنوب لبنان عقب التفجير الذي نفذه الجيش الإسرائيلي في مرتفعات علي الطاهر بلغت قوته 4.1 درجة على مقياس ريختر.
لايف ستايل 9/7/2026 1:39:00 PM
تُعد إسفنجة المطبخ بيئة خصبة لنمو البكتيريا وفق دراسات حديثة. الخبراء يوصون ببدائل صحية كفرشاة الأطباق والفوط القطنية لضمان نظافة مطبخك وحماية صحة عائلتك.