رئيسة مجموعة "النهار" الإعلامية نايلة تويني: "جائزة الإعلام العربي" ربع قرن من الرؤية
قبل خمسة وعشرين عاماً، كنا ننتظر الخبر. اليوم، الخبر ينتظرنا في كل مكان.
بين اللحظتين، تغيّر كل شيء تقريباً في الإعلام: الورق الذي كان يقود المشهد صار جزءاً من منظومة أوسع، الشاشة انتقلت من غرفة الجلوس إلى كفّ اليد، الجمهور تحوّل من متلقٍ إلى شريك ومنافس أحياناً، والمنصات أعادت رسم خريطة النفوذ. واليوم، يدخل الذكاء الاصطناعي غرف الأخبار ليطرح علينا السؤال الأصعب: ليس كيف سننتج الإعلام، بل أي إعلام نريد أن يبقى؟ وكيف ندفع عجلة الإبداع والابتكار إلى الأمام؟
وسط كل هذه التحولات، اختارت الإمارات أن تفعل شيئاً مختلفاً: ألا تنتظر المستقبل، بل أن تستثمر في صناعته.
هنا، وجدت الأفكار من يحوّلها إلى مشاريع، والمواهب من يمنحها مساحة لتكبر، والطموحات العربية بيئة تستطيع أن تختبر فيها نفسها. ومن دبي تحديداً، انطلقت قبل ربع قرن جائزة أرادت أن تحتفي بالصحافة العربية، ثم كبرت مع المهنة نفسها، واتسعت لتصبح "جائزة الإعلام العربي".
منذ وقت مبكر، أدرك صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم أن بناء مدينة للمستقبل لا يكتمل بالاقتصاد والبنية التحتية وحدهما، بل يحتاج أيضاً إلى إعلام قادر على مواكبة التحولات وصناعة الحوار وفتح المساحة أمام المواهب العربية.
من هذه الرؤية وُلدت "جائزة الصحافة العربية"، قبل أن تتطور لاحقاً إلى "جائزة الإعلام العربي". لم تكن الجائزة مجرد تكريم سنوي لأفضل الأعمال والأسماء، بل جزءاً من مشروع أوسع جعل من دبي ملتقى للإعلام العربي وبيئة تستطيع فيها المؤسسات والصحافيون أن يلتقوا ويتنافسوا ويطوروا أدواتهم.
ولهذا تحمل الجائزة بالنسبة إلينا في "النهار" معنى يتجاوز الفوز والتكريم.
فلـ"النهار" معها علاقة تمتد عبر أجيال. كان غسان تويني، عميد "النهار"، من الأسماء التي احتفت بها الجائزة ومسيرتها، في تكريم لمدرسة صحافية جعلت من الكلمة مسؤولية وموقفاً. وبعد سنوات، كان لي شرف أن أحمل بدوري تكريم "شخصية العام الإعلامية". ولم أشعر يومها أن التكريم يخصني وحدي، بل رأيته تكريماً لـ"النهار"، لتاريخها ولشهدائها ولأجيال من الصحافيين الذين حافظوا على رسالتها، وفي الوقت نفسه مسؤولية تجاه ما يجب أن تكون عليه في المستقبل. واستمرت العلاقة مع معالي منى غانم المري، رئيسة نادي دبي للصحافة ورئيسة جائزة الإعلام العربي، الحريصة على كل ما يطوّر المهنة والجائزة. وكان لي شرف الانضمام إلى مجلس إدارة "جائزة الإعلام العربي ."
الإرث، بالنسبة إلينا، ليس مكاناً للإقامة في الماضي. الإرث مسؤولية، وقيمته الحقيقية تكمن في القدرة على تطويره.
لهذا، كانت السنوات الأخيرة في "النهار" سنوات تحوّل متواصل: من الصحيفة إلى منظومة رقمية أوسع، ومن بيروت إلى حضور عربي يتجاوز الحدود، ومن "النهار" إلى "النهار العربي" التي افتتحت مكاتبها في الإمارات العربية المتحدة، ومن غرفة أخبار واحدة إلى شبكة من المكاتب والمراسلين والشراكات في عواصم عربية وعالمية. لم يكن الهدف أن نكبر جغرافياً فقط، بل أن نكون أقرب إلى القصة العربية والعالمية، وأن نخاطب أجيالاً جديدة، مؤكدين على هوية مؤسسة بنت مكانتها على الحرية والاستقلالية والثقة. أما أن يكون لـ"النهار"، غرفة أخبار مدعمة بالذكاء الاصطناعي، فالأمر يعني أننا قررنا الاستفادة من كل جديد لما فيه مصلحة المهنة، وإفساحاً في المجال أمام مزيد من الابتكار، ودائماً تحت شعار "الإنسان أولاً وأخيراً".
في هذه الرحلة، بقيت الإمارات مكاناً له معنى خاص، لا يكتفي باستقبال الطموحات، بل يمنحها البنية والمساحة والشجاعة كي تكبر.
على مدى 25 عاماً، تغيّرت المهنة جذرياً، واليوم يفرض الذكاء الاصطناعي أسئلة جديدة شائكة، وهنا تكمن قيمة جائزة الإعلام العربي الحقيقية: لم تكتفِ بحفظ ذاكرة الإعلام العربي، بل حاولت أن تبقى جزءاً من حركته نحو المستقبل. وهذا أيضاً هو التحدي الذي نراه أمام "النهار": أن نحمل تاريخنا وأن نحافظ على قيم الصحافة فيما نعيد ابتكار أدواتها وأشكالها.
في هذا العدد الخاص، لا ننظر فقط إلى ربع قرن مضى، بل إلى ربع قرن يبدأ الآن. نستعيد المحطات والأسماء التي صنعت جزءاً من تاريخ الجائزة والإعلام العربي، لكننا نسأل أيضاً كيف ستبدو المهنة في 2051: من سيكون الصحافي؟ كيف ستعمل غرفة الأخبار؟ كيف سيصل الخبر إلى الجمهور؟ وأين ستبقى الحقيقة حين يصبح إنتاج النص والصورة والصوت متاحاً للآلة؟
ربما يكون الدرس الأهم الذي تجمع عليه تجربة الجائزة هو أن المستقبل لا يصل جاهزاً. المستقبل يُصنع.
ربع قرن كان كافياً ليتغيّر الإعلام أكثر مما تخيّلنا. والربع المقبل قد يغيّره أكثر مما نستطيع اليوم أن نتوقع. لذلك، لا نحتاج إلى أن نسأل كيف سيكون إعلام 2051، بقدر ما نحتاج إلى أن نقرر منذ الآن أي دور نريد أن يكون لنا في صناعته.
نبض
