"تايم" ترصد تجربة دبي... هكذا أصبحت النظافة ثقافة
سلّطت مجلة "تايم" الأميركية الضوء على تجربة دبي في الحفاظ على نظافة الأماكن العامة، معتبرة أن تميّز المدينة لا يعود إلى الغرامات والرقابة وحدهما، بل إلى نجاحها في جعل احترام المكان العام سلوكاً يومياً يتبناه السكان والزوار على اختلاف ثقافاتهم.
وانطلق التقرير من موقف بسيط في مترو دبي، حين شاهد أحد كتّاب المجلة مجموعة من الزوار يتناولون المشروبات والمثلجات، قبل أن تطلب منهم سيدة كانت برفقتهم التخلص من العبوات والأكواب في سلة المهملات. وعندما سأل أحدهم عما إذا كانت هناك غرامة على رمي النفايات، أوضحت أن المسألة لا تتعلق بالعقوبة بقدر ما تتعلق بالحفاظ على نظافة المدينة.
ورأت "تايم" أن المشهد يلخص جانباً أساسياً من تجربة دبي: القوانين موجودة، لكن الالتزام يمكن أن يتطور مع الوقت من استجابة للقواعد إلى قناعة وسلوك شخصي.
لماذا تشجع المدينة النظيفة على مزيد من النظافة؟
وربط التقرير تجربة دبي بما يُعرف في الدراسات الحضرية بـ"نظرية النوافذ المكسورة"، التي تنطلق من أن مظاهر الإهمال والفوضى قد تشجع على مزيد من السلوكيات السلبية، بينما تدفع البيئة المنظمة والنظيفة الأفراد إلى التعامل معها بمسؤولية أكبر.
وبحسب المجلة، لا تنطبق الفكرة على الجريمة وحدها، بل أيضاً على السلوك اليومي في المدن. فالمكان المهمل قد يوحي بأن مخالفة القواعد مقبولة، بينما تخلق البيئة النظيفة معياراً اجتماعياً يدفع الأفراد إلى المحافظة عليها.
وقارن الكاتب ذلك بتجربة عاشها قبل عقود في مترو كلكتا في الهند، حين تدخل ركاب لإجبار شخص على تنظيف ما خلّفه على الرصيف، في مثال على تحول حماية المكان العام إلى مسؤولية جماعية.
دبي... النظافة جزء من هوية المدينة
وأشارت "تايم" إلى أن دبي تُصنّف بصورة متكررة بين المدن الأكثر نظافة عالمياً، معتبرة أن هذه الصورة أصبحت عنصراً في جاذبيتها للسكان والسياح والمستثمرين، فضلاً عن ارتباطها بصورة المدينة وقوتها الناعمة.

ولفت التقرير إلى أن اللافت في التجربة هو التنوع السكاني الكبير في دبي، إذ يأتي سكانها وزوارها من خلفيات وثقافات مختلفة، لكنهم يتشاركون داخل المدينة معايير واضحة للسلوك في الأماكن العامة.
ونقلت المجلة عن أحد سكان دبي منذ نحو ثلاثة عقود قوله إن التغيير في سلوك الوافدين يمكن ملاحظته منذ وصولهم إلى مطار دبي، حيث تدفعهم البيئة المنظمة إلى الالتزام بالنظام والبحث عن الأماكن المخصصة للتخلص من النفايات.
الغرامات ليست كل شيء
وشدد التقرير على أن اختزال نظافة دبي في الغرامات يمثل تبسيطاً للتجربة، إذ تشكل العقوبات جزءاً من منظومة أوسع تهدف إلى ترسيخ المسؤولية تجاه الأماكن العامة.
فمع مرور الوقت، بحسب التقرير، قد ينتقل الفرد من تجنب المخالفة خشية العقوبة إلى تبني قناعة بأن المكان الذي يعيش فيه يستحق المحافظة عليه.
وهنا تبرز محاولة دبي الانتقال من فرض السلوك إلى ترسيخه، بحيث تصبح النظافة ممارسة طبيعية ومسؤولية مشتركة.
الذكاء الاصطناعي يراقب المخالفات
وتطرقت "تايم" أيضاً إلى توظيف التكنولوجيا، مشيرة إلى اختبار كاميرات مدعومة بالذكاء الاصطناعي لمراقبة بعض السلوكيات في الأماكن العامة، مع إمكان رصد حالات إلقاء النفايات واتخاذ الإجراءات بحق المخالفين.
لكن التكنولوجيا لا تعمل بمعزل عن المجتمع. وأبرز التقرير دور لجنة دبي للآداب العامة في تعزيز السلوكيات الإيجابية وتشجيع المشاركة المجتمعية، بدلاً من الاعتماد حصراً على ضبط المخالفات بعد وقوعها.
ونقلت المجلة عن الأمين العام للجنة سعيد النظري تأكيده أهمية أن يكون المجتمع شريكاً في الوقاية من السلوكيات التي تؤثر في جودة الحياة.
من الغرامة إلى المكافأة
وتطرقت المجلة إلى جانب آخر يتمثل في تكريم الأشخاص الذين يظهرون سلوكيات مدنية إيجابية، ومنها المساهمة في المحافظة على نظافة الأماكن العامة.
وتقوم الفكرة على أن بناء السلوك المجتمعي لا يحتاج دائماً إلى العقاب، إذ يمكن للتحفيز والاعتراف بالممارسات الإيجابية أن يسهما في تحويلها إلى عادات مستدامة.
نبض
