توسيع إيران لاستهداف دول الخليج: تناقض صارخ بين التصريحات والوقائع
بيروت - "النهار"
في خطابه الأول بعد تعيينه مرشداً أعلى لإيران خلفاً لوالده، قال مجتبى خامنئي بثقة: "نؤمن بالصداقة مع الجيران ولا نستهدف إلا القواعد العسكرية الأميركية، وسنواصل ذلك حتماً". لكن ما يحدث على أرض الخليج العربي يعكس صورة مختلفة تماماً. منشآت حيوية تعرضت لأضرار، موانئ ومطارات أصيبت بصواريخ وطائرات مسيّرة، وسفن تجارية وناقـلات نفطية تعرضت لهجمات مباشرة بعيداً عن أي وجود عسكري أميركي.
ووفق البيانات الملاحية، فقد تم تسجيل ما لا يقل عن 15 حادثة استهداف لسفن وناقـلات في مضيق هرمز والخليج، بالإضافة إلى إصابة خزانات النفط في ميناء الفحل وميناء صلالة، وتضرر مطارات أبو ظبي ودبي والكويت بصواريخ وطائرات مسيرة.
هذا التباين بين ما يُقال والواقع الميداني يشير إلى أن إيران تتبنى نهجاً مزدوجاً. من جهة، إيحاء بالاعتدال في خطابها الرسمي، ومن جهة أخرى، توسيع دائرة استهدافها لتشمل بنى تحتية مدنية واستراتيجية، ما يضع الأمن الإقليمي واستقرار الاقتصاد العالمي تحت ضغط متواصل. وتكشف الهجمات الأخيرة عن سياسة استراتيجية واضحة، تهدف إلى ممارسة نفوذ ملموس على دول الخليج والشرق الأوسط والأسواق العالمية في الوقت نفسه.
استهداف المنشآت الحيوية
خلال الأيام الماضية، شهدت المنطقة سلسلة من الهجمات استهدفت منشآت حيوية في دول الخليج، بما في ذلك مطارات رئيسية في أبو ظبي ودبي والكويت، وخزانات الوقود في البحرين وسلطنة عُمان، بما فيها ميناء صلالة وميناء الفحل، إلى جانب منشآت اقتصادية وتجارية في الإمارات وقطر.
هذه العمليات لم تقتصر على الإضرار بالقدرات اللوجستية والاقتصادية، بل سعت لإثارة ضغط سياسي متصاعد على الحكومات الخليجية وتعطيل الخدمات الأساسية، ما يضع المدنيين في مواجهة مباشرة مع تهديدات ملموسة.
ورغم محاولات بعض الجهات الإيرانية إنكار مسؤوليتها، تؤكد الأدلة الميدانية تورط طهران بشكل مباشر أو غير مباشر عبر وكلائها في المنطقة.
استهداف قطاع النفط والممرات البحرية
ركزت إيران هجماتها على ناقلات النفط وموانئ التصدير، لا سيما في مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو خُمس النفط العالمي. شملت هذه العمليات الهجمات المباشرة على ناقلات النفط في المياه الدولية، وإغلاقاً شبه كامل للمضيق، ما أجبر دول الخليج على تقليص الإنتاج واللجوء إلى طرق تصدير بديلة، ورفع أسعار النفط العالمية إلى أكثر من 100 دولار لبرميل خام برنت، ما دفع وكالة الطاقة الدولية للتدخل بالاحتياطيات الاستراتيجية لتجنب أزمة أشد.
هذه الاستراتيجية، التي أصرّ مجتبى خامنئي على المضي بها، تجمع بين الضغط على الأسواق العالمية ورفع تكلفة أي مواجهة محتملة للأطراف الأميركية والإسرائيلية، وتشكّل تهديداً مباشراً لاقتصادات الخليج والعالم على حد سواء.

الدوافع وراء التوسع الإيراني
تستند دوافع إيران إلى مزيج من الاعتبارات العسكرية والاستراتيجية والسياسية، تتجلى في الرد على الضربات الأميركية والإسرائيلية التي استهدفت قيادات عسكرية وسياسية، ومحاولة كسر التوازن الاستراتيجي في الخليج، وإظهار قدرة طهران على تعطيل أسواق الطاقة العالمية، إلى جانب ممارسة ضغط على دول الخليج لإجبارها على التراجع عن أي تعاون أمني أو عسكري مع الولايات المتحدة، لا بل ممارسة هذه الدول ضغطاً على واشنطن لإيقاف الحرب.
المفارقة الكبرى تكمن في التناقض بين التصريحات الرسمية الإيرانية التي تنفي استهداف الجيران، وبين النشاط الميداني الذي يشمل المدنيين والمنشآت الحيوية في هذه الدول، ما يعكس سياسة مزدوجة قائمة على التلاعب بالتصريحات والأفعال على حد سواء.
المخاطر والتداعيات
تصعيد إيران له آثار مباشرة وواضحة على الأمن والاستقرار الإقليمي والدولي. على الصعيد العسكري، يمكن أن يؤدي هذا التصعيد إلى توسع نطاق المواجهة بين إيران ودول الخليج والقوات الأميركية والإسرائيلية، بما يهدد الأمن الإقليمي. اقتصادياً، يستمر الضغط على أسواق النفط العالمية وارتفاع الأسعار، وهو ما يهدد الاستقرار الاقتصادي العالمي. أما على المستوى الإنساني، فإن استهداف المنشآت الحيوية يعرض المدنيين للخطر ويؤدي إلى اضطراب الخدمات الأساسية. أما سياسياً، فيعقّد استمرار الهجمات جهود الوساطات لإيقاف الحرب، ويقلص ثقة المجتمع الدولي في قدرة الأمم المتحدة والدول الكبرى على فرض النظام ووقف الانتهاكات الإيرانية، كما يؤثر بشكل مباشر على شكل العلاقات بين إيران وجيرانها مستقبلاً.
تؤكد الأحداث الأخيرة أن إيران، بقيادة مجتبى خامنئي، تتبنى سياسة توسعية واضحة في استهداف الخليج، متجاوزة الأعراف الدولية والمبادئ الأساسية لعدم التدخل في شؤون الدول الأخرى. الهجمات على المنشآت الحيوية وممرات النفط ليست مجرد عمليات عابرة، بل تمثل استراتيجية ممنهجة لزعزعة الاستقرار الإقليمي مع آثار مباشرة على الاقتصاد العالمي والأمن الدولي.
نبض