السوق العقاري السعودي: تراجع المبيعات ونمو الإيجارات
السوق العقاري السعودي يعيد تشكيل ملامحه في 2026
الرياض: لم يبدأ عام 2026 بالزخم ذاته الذي عرفه السوق العقاري السعودي في السنوات الأخيرة. إذ كشفت أول بيانات رسمية شهرية صادرة عن الهيئة العامة للعقار عن تراجعات ملموسة في حجم الصفقات وقيمها خلال كانون الثاني/يناير الماضي، لكنّ المشهد ليس أسودَ بالكامل؛ ففي ثنايا الأرقام قصص أخرى عن سوق يُعيد رسم أولوياته.
ما تكشفه أرقام كانون الثاني/يناير 2026 ليس أزمةً بالمعنى الكامل، بل مرحلة تصحيح تلي سنوات من الارتفاع المتسارع. الطلب الإيجاري المتنامي يعكس موجةً من السكان الجدد القادمين للعمل والإقامة في إطار التحولات الاقتصادية الكبرى التي تشهدها المملكة. أما المستثمر الذي يبحث عن نقطة دخول، فإن السوق يُقدّم له اليوم أسعاراً أقل وفرصاً انتقائية، في انتظار الموجة التالية من النمو المدعومة بمشاريع عملاقة لم يكتمل تسليمها بعد.
الأرقام تتكلم: انخفاض واسع في البيع
أُبرمت خلال كانون الثاني/يناير 20,026 صفقة عقارية سكنية، بانخفاض 14% مقارنةً بكانون الأول/ديسمبر 2025، و38% مقارنةً بكانون الثاني/يناير 2025. وتراجعت قيمة هذه الصفقات إلى 17.5 مليار ريال (نحو 4.7 مليارات دولار)، في انخفاض شهري بلغ 38% وسنوي أعمق وصل إلى 44%.
أما في القطاع التجاري والصناعي، فالصورة لا تختلف كثيراً؛ إذ انكمشت الصفقات إلى 2,346 صفقة غير سكنية بتراجع شهري 29% وسنوي 35%، فيما هوت قيمتها الإجمالية 62% في شهر واحد لتستقر عند 10.96 مليارات ريال.
غير أن ثمة تفصيلاً يلفت الانتباه في هذا القطاع: فرغم انهيار القيمة الإجمالية، ارتفع متوسط المساحة المتداولة بنسبة 68% شهرياً ليبلغ 25,762 م²، ما يوحي بأن الصفقات التي أُبرمت كانت لأصول أكبر حجماً وأعلى نوعية.

الأراضي والفلل: نقيضان في مشهد واحد
داخل القطاع السكني، ثمة تباين لافت. الأراضي كانت الأكثر تضرراً، إذ تراجعت صفقاتها 43% على أساس سنوي، وانهارت قيمتها 50% لتبلغ 9.17 مليارات ريال. هذا التراجع الحاد في الأراضي يُقرأ على أنه انكماش في شهية التطوير العقاري الجديد، بعد سنوات من الطفرة المدفوعة بمشاريع رؤية 2030.
في المقابل، أدّت الفلل دوراً مفاجئاً؛ فرغم تراجع صفقاتها سنوياً، سجّلت قيمتها ارتفاعاً شهرياً بنسبة 38%، كما ارتفع متوسط مساحتها 9% على أساس سنوي. رسالة السوق هنا واضحة: من يشتري اليوم يختار عقاراً نوعياً وأوسع مساحةً، لا مجرد استثمار عشوائي.
الإيجار يُحكم قبضته: الطلب السكني يتصاعد
بينما يتراجع البيع، يرسّخ الإيجار حضوره. بلغ عدد عقود الإيجار السكنية 281,042 عقداً، بنمو سنوي 17%، وإن سجّل تراجعاً شهرياً طفيفاً بـ4%. وبالنسبة لمن يفكر في الانتقال للعيش في المملكة، تعني هذه الأرقام سوقاً إيجارياً حيّاً وواسعاً، لكنه شديد التنافسية خاصةً في المدن الكبرى.
الأكثر إثارةً في هذا الجانب هو ما جرى في إيجارات القطاع غير السكني: قفزت قيمتها 63% في شهر واحد لتبلغ 5.67 مليارات ريال. قد يعكس ذلك إقبالاً متأخراً على توقيع عقود تجارية طويلة الأمد، أو توسعاً في شرائح قطاعي التجزئة والضيافة المرتبطين بمشاريع السياحة الكبرى.
الخريطة الجغرافية: الرياض أولاً وأخيراً
لا يختلف اثنان على أن الرياض هي قلب السوق العقاري السعودي: استأثرت بـ26.8% من إجمالي صفقات البيع، و41% من إجمالي القيمة بما يعادل 11.7 مليارات ريال. ومن يريد أن يستثمر أو يسكن في المملكة، فلا يزال الرهان الأكبر على العاصمة التي تتمدد أفقياً وعمودياً بلا توقف.
جاءت مكة المكرمة في المرتبة الثانية بـ8.9 مليارات ريال (31.2% من الإجمالي)، وهو رقم مدفوع في جزء كبير منه بالطلب الديني والسياحي المتصاعد، ثم المنطقة الشرقية بـ4.1 مليارات ريال (14.4%). المناطق الثلاث مجتمعةً تمثل ما يزيد على 86% من قيمة السوق بأكمله.
سوق الوساطة ينضج
في مؤشر على تطور قطاعي لافت، تضاعف عدد رخص الاستشارات والتحليلات العقارية للأفراد بنسبة 233% على أساس سنوي. كذلك ارتفعت رخص الوساطة والتسويق للمنشآت 9% ولأفراد 8%، في دلالة على أن السوق يتحرك نحو مزيد من الاحتراف والتنظيم.
وعلى صعيد الإعلانات، نمت إعلانات الإيجار بـ30% سنوياً مقابل 10% فقط لإعلانات البيع. الرسالة التسويقية تسبق الرسالة الاستثمارية: الجميع يتحدث عن الإيجار أكثر من البيع.
نبض