بالصور - طلاب ثانوية درعا في نهائيات جائزة زايد: من النفايات إلى العالمية
من ركام الأبنية المدمّرة إلى تنقية المياه وإعادة تدوير المخلفات، يحاول طلاب ثانوية إنخل الرسمية في محافظة درعا جنوب سوريا تحويل النفايات إلى موارد قابلة للاستخدام، عبر مشروع علمي يجمع بين الأرض والطاقة والمياه ضمن منظومة واحدة.
«منظومة النبع والأرض» هي فكرة طلابية تسعى إلى معالجة ركام الأبنية والاستفادة منه في رصف الطرقات وساحات المدارس، بالتوازي مع تطوير حلول للتدفئة وتنقية المياه وتحليتها. ويقوم المشروع على ربط مساراته الثلاثة، بحيث تتحول مخرجات أحدها إلى مواد يمكن الاستفادة منها في المسارات الأخرى.
وبهذه الفكرة، تأهل الفريق إلى نهائيات جائزة زايد للاستدامة لعام 2027 عن فئة المدارس الثانوية، ممثلاً منطقة وسط آسيا وشمال أفريقيا، بعد منافسة شارك فيها أكثر من عشرة آلاف مشروع ومدرسة من مختلف أنحاء العالم، وفق المعلومات التي قدمها الفريق.

من فكرة مدرس الكيمياء إلى منظومة متكاملة
بدأ المشروع مع أحمد العاصي، مدرس الكيمياء والمشرف على الفريق، الذي انطلق من سؤال عن كيفية الاستفادة من ركام الأبنية الذي خلّفته سنوات الحرب، بدلاً من تركه مخلفات يصعب التعامل معها.
ومع تشكيل الفريق الطلابي، توسعت الفكرة لتشمل ثلاثة مسارات مترابطة: معالجة الركام وإعادة استخدامه، وتطوير حلول للطاقة والتدفئة والاستفادة من المواد الكربونية، ثم توظيف أغشية نانوية في تنقية المياه وتحليتها.
ويلفت العاصي إلى دور إدارة ثانوية إنخل الرسمية، ممثلة بعبد الناصر الرمان وميساء الوادي، في تقديم الدعم المعنوي واللوجستي للفريق، وإتاحة مختبر المدرسة لإجراء التجارب.

ورغم محدودية الإمكانات، تمكن الطلاب من اجتياز مراحل المنافسة والوصول إلى النهائيات، فيما يتطلع العاصي إلى تحقيق المركز الأول خلال الحفل الختامي المقرر في أبوظبي في كانون الثاني/يناير 2027.
مسار الأرض.. تحويل الركام إلى مواد للرصف
في مسار الأرض، يعمل الطلاب على معالجة ركام الأبنية المدمّرة ومخلفات الخرسانة والأنقاض كيميائياً وحيوياً، بهدف تحسين ارتباطها بالبيتومين المستخدم في الخلطات الإسفلتية.
ويوضح الطالب عبد العزيز ناصر، أحد أعضاء الفريق، أن المشروع يستهدف زيادة كفاءة هذا الارتباط بنسبة 50%، تمهيداً لتصنيع خلطات يمكن استخدامها في رصف الطرقات وساحات المدارس.
وتقوم الفكرة على إعادة توظيف مخلفات البناء في تطبيقات عملية، بدلاً من التعامل معها باعتبارها نفايات. لكن الوصول إلى هذه الغاية يظل مرتبطاً باستكمال التجارب وتطويرها وصولاً إلى إمكانية تطبيقها ميدانياً.

مسار الطاقة.. حلول للتدفئة وأغشية للترشيح
يمتد المشروع إلى مسار الطاقة والتدفئة، الذي يسعى إلى معالجة مشكلة التدفئة المدرسية والحد من الانبعاثات الضارة الناتجة منها.
ووفق شرح الفريق، يعمل الطلاب على تطوير مدافئ تحتجز غازات ثاني أكسيد الكبريت (SO₂) داخل الرماد وتحولها إلى كبريتات الكالسيوم. كما يعملون على معالجة المواد الكربونية حرارياً وكيميائياً لإنتاج أغشية ترشيح نانوية دقيقة، يمكن توظيفها في معالجة المياه.
وتكمن أهمية هذا المسار، بحسب تصور المشروع، في أن المواد الناتجة منه لا تبقى محصورة في مجال الطاقة، بل يمكن استخدامها في المسار المخصص للمياه، بما يعزز الترابط بين أجزاء المنظومة.
مسار النبع.. تنقية المياه واستعادة الموارد
في مسار النبع، يسعى الفريق إلى الاستفادة من الأغشية النانوية الناتجة من مسار الطاقة في ترشيح المياه، إلى جانب استخدام تقنيات التبخير الشمسي السطحي ونظام تصفير السوائل العادمة (ZLD)، بهدف تحلية المياه واستخلاص الأملاح.
ويتضمن المشروع أيضاً تشغيل مفاعلات حيوية للطحالب، تمتص ثاني أكسيد الكربون وتنتج الأكسجين والأسمدة العضوية.
ومن خلال هذه المسارات، يحاول الطلاب بناء منظومة تقوم على الاقتصاد الدائري، بحيث تُستخدم مخرجات إحدى العمليات مدخلاتٍ لعمليات أخرى، مع الجمع بين معالجة المياه والاستفادة من المخلفات وتطوير حلول للطاقة.
ويشارك الطالب يمان الريابي في العمل على المسارات التي تربط معالجة المياه، باستخدام أغشية الترشيح وتقنيات التناضح العكسي، بمسار الأرض وإنتاج الأسمدة العضوية.
مختبر متواضع وطموح يتجاوز المدرسة
لم يكن الطريق إلى نهائيات الجائزة سهلاً، إذ واجه الفريق صعوبات مادية ومخبرية حدّت من قدرته على إجراء التجارب وتطويرها. واعتمد الطلاب على مختبر المدرسة وأدوات متواضعة، واضطروا إلى التنقل بين مختبرات مدارس بعيدة، وتحمل تكاليف النقل والمواد من أموالهم الخاصة.
وفي ظل هذه الظروف، ساهم دعم إدارة ثانوية إنخل الرسمية في توفير بيئة تساعد الفريق على مواصلة العمل، من خلال الدعم المعنوي واللوجستي وإتاحة المختبر لإجراء التجارب.
ويعكس المشروع انتقال الطلاب من طرح فكرة علمية إلى محاولة اختبارها عملياً، عبر العمل الجماعي وربط المعرفة الكيميائية بمشكلات ترتبط بالحياة اليومية، من مخلفات البناء إلى نقص المياه واحتياجات التدفئة.
من نهائيات أبوظبي إلى التطبيق في درعا
بعد التأهل إلى نهائيات جائزة زايد للاستدامة لعام 2027، يتطلع الفريق إلى تمثيل مدرسته وسوريا في الحفل الختامي المقرر في أبوظبي يوم 12 كانون الثاني/يناير 2027، حيث يُعلن المشروع الفائز بالمركز الأول عن المنطقة.
ولا يتوقف طموح الطلاب عند المشاركة في المنافسة، بل يسعون إلى نقل تجاربهم من المختبر إلى الميدان، عبر تطبيقات محتملة تشمل معالجة المياه ورصف الطرقات في مدارس ومناطق ريف درعا، وفق الخطط التي عرضها أصحاب المشروع.
ومن ثانوية إنخل الرسمية، يحاول هؤلاء الطلاب تقديم مقاربة تربط الابتكار العلمي باحتياجات إعادة الإعمار والاستدامة، من خلال البحث عن استخدامات جديدة للركام والمواد الكربونية، وتطوير حلول تتصل بالمياه والطاقة.
لكن الانتقال من الفكرة إلى التطبيق يحتاج إلى استكمال التجارب وتوفير الإمكانات اللازمة للتحقق من فاعلية الحلول المقترحة. وبين مختبر المدرسة ونهائيات أبوظبي، يفتح المشروع أمام طلاب درعا فرصة لاختبار أفكارهم، وطموحاً لتحويلها إلى تطبيقات يمكن الاستفادة منها في مجتمعاتهم.
نبض