من حرب عبد الناصر إلى تعهد السيسي... كيف تغيرت حسابات مصر في اليمن؟
قبل أكثر من ستة عقود، أرسل جمال عبد الناصر قوات مصرية إلى اليمن دعماً للجمهوريين في مواجهة الملكيين الذين ساندتهم السعودية. أما اليوم، فتعلن القاهرة استعدادها للدفاع عن المملكة في مواجهة هجمات الحوثيين، في مفارقة تاريخية تعكس تبدل التحالفات والحسابات الأمنية في المنطقة.
وربط الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، في تصريحات السبت، أي تحرك للدفاع عن السعودية بطلب من الرياض، مؤكداً استعداد بلاده لاتخاذ الإجراءات اللازمة لمساعدتها. كما دعا مجلس النواب إلى جلسة طارئة لبحث تفويض يتيح التحرك عند الحاجة، مشدداً على أن القاهرة لا تعتزم مهاجمة أحد.
وجاءت تصريحات السيسي عقب هجمات على مطار الملك خالد الدولي ومنشآت نفطية سعودية. ويستعيد التقرير تاريخ التدخل العسكري المصري في اليمن، من حرب الستينيات ضد الملكيين المدعومين من الرياض إلى التعاون العسكري بين البلدين، بحثاً في دوافع التحول وحدود أي تدخل مصري محتمل اليوم.

حلفاء قبل الحرب
في نيسان/أبريل 1956، وقع عبد الناصر والملك سعود والإمام أحمد بن يحيى اتفاق دفاع مشترك في جدة، وكانت مصر تتولى تدريب قوات الإمام. لكن سقوط الحكم الإمامي بعد ست سنوات غيّر مواقع الحلفاء، لتجد القاهرة والرياض نفسيهما على طرفي الصراع في اليمن.
ففي 26 أيلول/سبتمبر 1962، أطاح ضباط يمنيون بقيادة عبد الله السلال بالحكم الإمامي وأعلنوا الجمهورية. ونجا الإمام محمد البدر، الذي نظم أنصاره مقاومة مسلحة بدعم سعودي، فيما انحازت القاهرة إلى الجمهوريين، ووقعت معهم اتفاق دفاع في تشرين الأول/أكتوبر من العام نفسه. ولم تكن الثورة من تدبير مصر، بل سبقتها محاولات يمنية لإصلاح الحكم الإمامي أو إسقاطه.
كانت للقرار المصري دوافع أبعد من حماية النظام الجمهوري. فبعد انفصال سوريا عن الجمهورية العربية المتحدة عام 1961، رأى عبد الناصر في الثورة اليمنية فرصة لتعزيز مشروعه القومي، وتوسيع نفوذ مصر قرب باب المندب وخليج عدن التي كانت لا تزال تحت الحكم البريطاني.
حرب استنزاف وتدخلات سرية
أرسلت مصر في البداية قوة محدودة، قبل أن يرتفع عدد جنودها إلى نحو 70 ألفاً بحلول عام 1965، بحسب دراسة أكاديمية نشرتها جامعة كامبريدج. وفي المرتفعات، واجه الجيش المصري مقاتلين ملكيين استفادوا من وعورة الجبال ومن الإمدادات القادمة عبر الحدود السعودية. وشملت المهمة المصرية، إلى جانب القتال، تدريب كوادر يمنية والمساعدة في إدارة مؤسسات مدنية.
ولم يقتصر دعم الملكيين على الرياض. فقد وثق المؤرخ كلايف جونز عمليات بريطانية سرية وشبكات مرتزقة، شاركت إسرائيل في إسنادها. ويذكر الباحث بروس ريدل أن طائرات إسرائيلية أسقطت إمدادات للملكيين، في عمليات استهدفت إبقاء الجيش المصري منشغلاً بعيداً عن جبهته مع إسرائيل.
ومع خشية واشنطن من اتساع الحرب إلى الأراضي السعودية، نشرت ثماني مقاتلات في المملكة عام 1963، ضمن عملية "هارد سيرفس". وتكشف وثائق أميركية مفرج عنها أن الولايات المتحدة سعت إلى ردع الهجمات المصرية، مع الضغط لوقف الإمدادات السعودية وانسحاب القوات المصرية.

من الخصومة إلى التقارب
شكّلت هزيمة حزيران/يونيو 1967 منعطفاً في التدخل المصري باليمن، بعدما استنزفت الحرب القوات والموارد المصرية، وإن لم تكن السبب الوحيد للهزيمة. وكانت القاهرة قد بدأت تقليص وجودها العسكري في اليمن قبل ذلك، ثم سحبت مزيداً من قواتها عقب الهزيمة. وفي قمة الخرطوم، أواخر آب/أغسطس من العام نفسه، اتفق عبد الناصر والملك فيصل على استكمال الانسحاب المصري، مقابل وقف الدعم السعودي للملكيين.
غير أن الانسحاب المصري لم يؤد إلى سقوط الجمهورية. فقد صمد الجمهوريون أمام الحصار الملكي لصنعاء، قبل أن تعترف السعودية بالجمهورية اليمنية عام 1970، لتنتهي بذلك المواجهة التي وضعت القاهرة والرياض على طرفي الصراع.
وبعد عقود، تبدلت طبيعة العلاقة العسكرية بين البلدين. ففي عام 2015، شاركت مصر بقوات بحرية وجوية في التحالف الذي قادته السعودية ضد الحوثيين، مع تركيز على أمن البحر الأحمر والملاحة. ورغم جذور الحوثيين في البيئة الزيدية، فإنهم لا يمثلون امتداداً تنظيمياً مباشراً لملكيي الستينيات.
أما اليوم، فتضع الهجمات بالصواريخ والمسيرات على المنشآت السعودية التعاون العسكري بين القاهرة والرياض أمام اختبار جديد، في وقت ترتبط فيه المصالح المصرية بأمن الملاحة في البحر الأحمر وقناة السويس. لكن الدفاع عن الأراضي السعودية يختلف عن خوض عمليات عسكرية داخل اليمن، ما يجعل طبيعة أي مهمة مصرية محتملة ومدتها وحجم القوات المشاركة فيها عوامل حاسمة في تقدير كلفتها.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
توقيف غامض ونقل إلى سوريا وروايات متناقضة تضع الدولة أمام مسؤولية كشف ما جرى، وسط مخاوف أمنية وديبلوماسية.
نبض