كنيسة القيامة تفتقد زوارها ومدينة القدس تختنق بصمت!

العالم العربي 13-10-2026 | 14:48

كنيسة القيامة تفتقد زوارها ومدينة القدس تختنق بصمت!

أيّ مشهد أكثر إيلاماً من أسواق القدس التي كانت تضيق بالزوار فأصبحت تبحث عمن يطرق أبوابها؟
كنيسة القيامة تفتقد زوارها  ومدينة القدس تختنق بصمت!
كنيسة القيامة.
Smaller Bigger

لا تزال ماثلة صورة تلك الراهبة ترتمي أرضاً بعدما دفع بها إسرائيلي في أحد شوارع القدس القديمة، في جوار الأماكن المقدسة، ثم رفسها برجليه، في إشارة إلى الكراهية المتنامية من اليهود المتشددين تجاه المسيحيين والمسلمين في الأراضي المقدسة. 

 

 

يركز الإعلام على المسجد الأقصى كل نهار جمعة، عندما ترتفع الأصوات المنددة بالتضييق على المصلين، ومنعهم من الوصول إليه، أو اقتحام إحدى ساحاته، في حين أن العالمين العربي والإسلامي يهتمان، ولو بالحد الأدنى، بشؤون الأقصى، وضمان متطلباته الأساسية، علماً أن الأماكن المقدسة المسيحية، بسبب توزع المسؤولية عليها بين كنائس مختلفة ورهبانيات محلية ودولية، تعاني التضييق أيضاً، وتراجع عدد الزوار، وتالياً المداخيل، ما انعكس على واقعها، والعاملين فيها، والأسواق والمصالح المحيطة بها، وبات يهدد الاستقرار الاجتماعي، وربما يدفع إلى هجرات جديدة. 

 

 

التقرير الذي نشرته محطة "نورسات" على صفحتها، تحت عنوان " من وفرة الخير إلى قسوة العوز، ست سنوات من الانتظار ومدينة مقدسة تسأل: إلى متى؟"، يضيء على هذه الجوانب، ويركز على الأزمة المتدحرجة تحت أنظار العالم: نعم، كنيسة القيامة تبكي زوارها وأزقة البلدة القديمة تبكي أهلها والقدس اليوم تنزف وجعاً بصمت، فيما تتراكم الهموم على أكتاف أبنائها من دون أن يلوح في الأفق أمل قريب بالخلاص.

 

منذ جائحة كورونا عام 2020، دخلت المدينة المقدسة نفقا مظلما. ست سنوات ونحن ننتظر أن تتعافى مدينة القدس وتعود الحياة إلى شوارعها وتقرع أجراس كنيسة القيامة فرحا بعودة الحجاج والزوار، وتستعيد الأسواق نبضها الذي عرفناه قبل هذه النكبة. لكننا ونحن على أعتاب وداع عام 2026 واستقبال 2027 نجد أنفسنا أمام واقع أشد قسوة وأمام مأساة تتفاقم يوما بعد يوم.

 

أيّ وجع هذا الذي أصاب كنائسنا وعمالها؟

 

منذ عام 2020، وبفعل الأوضاع الاقتصادية الخانقة، اضطرت كنيسة القيامة المقدسة وغيرها من كنائس الأراضي المقدسة إلى الاستغناء عن عدد من العاملين فيها. رجال أمضوا سنوات من أعمارهم في خدمة الكنائس وكانوا يعيلون عائلاتهم بكرامة، وجدوا أنفسهم أمام أبواب مغلقة وأرزاق انقطعت ومستقبل يزداد غموضاً. لم يكن ذلك خياراً سهلاً على الكنائس ولا على العمال الذين وجدوا أنفسهم يدفعون ثمن أزمة لم يصنعوها.

 

خلف كل عامل فقد عمله عائلة، وخلف كل راتب انقطع بيت ينتظر وأطفال لهم حاجات وأقساط لا تنتظر والتزامات لا ترحم، فكيف يستطيع رب أسرة أن يواجه كل هذه الأعباء حين يفقد مصدر رزقه؟ 

 

وأيّ مشهد أكثر إيلاماً من أسواق القدس التي كانت تضيق بالزوار فأصبحت تبحث عمن يطرق أبوابها؟ 

 

قبل جائحة كورونا كانت أشهر الصيف تشهد ذروة الزيارات والحجاج وكانت المدينة تستقبل أعدادا هائلة من الزوار يصل عددهم في المواسم إلى أكثر من مليون. يزورون كنيسة القيامة ويتجولون في أزقة البلدة القديمة ويشترون من محالها، فتدور عجلة الاقتصاد وتفتح العائلات أبواب بيوتها على أمل ورزق، أما اليوم فكم تبدل المشهد!
لا زوار من الخارج كما عهدناهم ولا حركة شراء تنعش الأسواق ولا ذلك الازدحام الذي كان يعطي الأزقة روحها. متاجر مغلقة وأخرى تعرض أبوابها للإيجار ومئات المحال بحسب ما تشهده السوق باتت تبحث عن مستأجرين بدل أن يتسابق الناس على استئجارها كما كان الحال قبل عام 2020.

 

يا للمفارقة المؤلمة. بالأمس كان صاحب المحل يبحث طويلا عن مكان يفتح فيه باب رزقه، واليوم يقف عاجزا منكسرا أمام ديونه، يتساءل كيف يسدد التزاماته وكيف يحافظ على تجارته وكيف يتجنب أن تقوده الديون المتراكمة إلى الملاحقات القانونية والسجن؟

 

كنيسة القيامة.
كنيسة القيامة.

 

 

أما أهل القدس فأصبحوا يخوضون معركة البقاء يوما بيوم. ديون للبنوك ومستحقات للبلدية وسلطات الضرائب والمياه والكهرباء وأقساط مدارس وجامعات وإيجارات بيوت لا تتوقف عند غياب السياح أو انعدام الدخل. وبين هذه الالتزامات تقف عائلات كثيرة عاجزة عن معرفة أيّ الأبواب تطرق أولاً، وأيّ الديون تسدد، وأيّ الحاجات تؤجل. نعم، هكذا أصبح الحساب اليومي عند رب العائلة.

 

لقد أصبح همّ بعض الناس في القدس ليس كيف يوسعون تجارتهم أو يحسنون أوضاعهم، بل كيف يؤمنون إيجار البيت في نهاية الشهر، وكيف يضعون الطعام على مائدة أطفالهم وكيف يواجهون الغد من دون أن يفقدوا ما تبقى لهم من أمل ومن كرامة العيش .

 

آه ثم آه يا قدس! كيف انقلبت الأحوال من الخير الوفير إلى الضيق والمأساة؟ وكيف تحولت الأسواق التي كانت تضج بالحياة إلى أزقة شبه خالية؟ وكيف أصبح العامل يخشى على لقمة عيشه والتاجر يخشى على متجره والأب يخشى ألا يستطيع الوفاء بالتزاماته؟

 

إن ما يجري ليس أزمة تجارية ولا تراجعاً عابراً في حركة السياحة، بل أزمة إنسانية واجتماعية تمس كرامة الإنسان وحقه في العيش الكريم. والقدس التي تحمل في حجارتها تاريخ الأديان وتحتضن كنيسة القيامة المقدسة والمسجد الأقصى المبارك، لا ينبغي أن يُترك أبناؤها وحدهم في مواجهة هذا المصير.

 

إننا لا نطلب المستحيل، بل نطلب أن تعود الحياة إلى مدينتنا وأن يجد عمال الكنائس فرصتهم في العمل وأن تستعيد المتاجر زبائنها ويعود الحجاج والزوار إلى كنيسة القيامة ويتمكن المقدسي من العيش في مدينته بكرامة وأمان.

 

فمن يسمع أنين القدس يا ترى؟ ومن يمد يد العون إلى عمال كنائسها وتجارها وأهلها وعمالها؟

 

نحن على أبواب عام جديد، لكن السؤال الذي يثقل صدورنا ليس ماذا يحمل لنا عام 2027 من أفراح؟ بل هل يحمل معه بداية الخلاص من هذا الاختناق الطويل؟

 

آه ثم آه يا قدس، كم نشتاق إلى أيام كانت فيها كنيسة القيامة تعج بالحجاج وكانت أزقتك تنبض بالحياة وأبواب المتاجر تُفتح على الأمل لا على لافتات الإيجار.

 

القدس لا تبكي غياب زوارها فحسب، بل تبكي حال أهلها أيضاً، وإن طال هذا الصمت فمن يحمي ما تبقى من نبض الحياة في مدينتنا المقدسة؟ يبقى السؤال سؤالاً.

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

العالم العربي 10/11/2026 10:00:00 PM
اتّسعت اضطرابات السفر من السعودية وإليها، مع إلغاء رحلات لدى شركات لبنانية وإماراتية وأوروبية
صحة وعلوم 10/12/2026 6:18:00 AM
وضعية الذراع الخاطئة أثناء قياس ضغط الدم تُؤدّي إلى قراءة أعلى من الواقع، ما قد يُؤثرّ في دقّة التشخيص.
لبنان 10/12/2026 3:18:00 PM
الجيش الإسرائيلي: الانفجار نجم على ما يبدو عن قنبلة عنقودية تابعة لـ "حزب الله"