واشنطن تحذّر بغداد: حسم سلاح الفصائل وإلا عقوبات وضربات محتملة
دخل ملف حصر السلاح بيد الدولة في العراق مرحلة جديدة من التصعيد السياسي والأمني، بعد تلقي رئيس الوزراء علي الزيدي رسالة تحذير أميركية شديدة اللهجة، على خلفية عدم التزام فصائل مسلحة بارزة، بينها "كتائب حزب الله" و"حركة النجباء"، بالموعد المحدد لتسليم السلاح، في وقت تكثف فيه الحكومة العراقية تحركاتها لاحتواء الخلاف المتصاعد بشأن مستقبل السلاح خارج المؤسسات الرسمية.
وبحسب مصادر سياسية عراقية تحدثت لـ"النهار"، فإن الرسالة الأميركية وصلت إلى الزيدي الخميس الماضي، بعد يوم واحد من الإعلان الرسمي عن اكتمال انسحاب قوات التحالف الدولي من العراق، الذي تقوده الولايات المتحدة، ما أضفى على مضمونها دلالة سياسية وأمنية إضافية.
وقالت المصادر إن واشنطن ربطت، وفق مضمون الرسالة، بين انتهاء المهمة العسكرية للتحالف الدولي وانتقال بغداد إلى مرحلة أكثر حسماً في ملف حصر السلاح، وإنهاء أي مظاهر مسلحة خارج سيطرة الدولة.
وأضافت أن التحذير الأميركي لم يقتصر على إبداء القلق من عدم التزام بعض الفصائل بالمهلة المحددة، بل تضمن إشارات إلى إمكانية اتخاذ إجراءات أكثر صرامة في حال فشل الحكومة العراقية في وضع خطة واضحة، بجدول زمني وآليات تنفيذ محددة، لإنجاز ملف حصر السلاح.
وبحسب المصادر، تشمل الإجراءات المطروحة عقوبات قد تطال بغداد على المستويات المالية والاقتصادية والديبلوماسية، إلى جانب ضغوط يمكن أن تؤثر في علاقات العراق الدولية وموقعه الاقتصادي. كما أشارت إلى احتمال تنفيذ ضربات جوية تستهدف مواقع لفصائل مسلحة تعتبرها الولايات المتحدة تهديداً لمصالحها وأهدافها في العراق والمنطقة، فضلاً عن مصالح حلفائها في الخليج وإسرائيل.
وتأتي هذه التطورات في مرحلة سياسية حساسة بالنسبة إلى الحكومة العراقية، إذ يضع انتهاء مهمة التحالف الدولي بغداد أمام معادلة جديدة، مع تراجع المبررات المرتبطة بوجود قوات أجنبية على الأراضي العراقية، بالتزامن مع تصاعد الضغوط باتجاه تثبيت احتكار الدولة لقرار السلاح والأمن، ومنع وجود قوى مسلحة تعمل خارج منظومة المؤسسات الرسمية أو تمتلك قراراً مستقلاً باستخدام القوة.
اجتماع عاجل للإطار التنسيقي
وأمام تصاعد الضغوط، دعا الزيدي قوى الإطار التنسيقي إلى اجتماع طارئ عقد مساء الجمعة في القصر الحكومي، لبحث تداعيات الرسالة الأميركية ومخاطر استمرار الانقسام بشأن ملف السلاح.
ووفق المصادر، عرض الزيدي خلال الاجتماع مضمون التحذيرات الأميركية، في وقت كانت لجنة شكلها الإطار التنسيقي قد بدأت اتصالات ومفاوضات مع عدد من الفصائل المسلحة بهدف دفعها إلى القبول بمسار حصر السلاح وإنهاء الملف وفق جدول زمني متفق عليه.
وفي ختام الاجتماع، أصدر الإطار التنسيقي بياناً أكد فيه أن مهلة 30 حزيران/يونيو المقبل تمثل الموعد النهائي لحصر السلاح بيد الدولة، داعياً إلى مواصلة العمل لإنجاز الملف وتعزيز دولة المؤسسات وسلطة القانون.
وربط البيان هذه الخطوة بالتطورات التي أعقبت "يوم السيادة"، الذي وصفه الإطار بأنه محطة مفصلية وتاريخية في مسار ترسيخ استقلال العراق واستقراره.
انقسام داخل الفصائل
لكن الموقف داخل الساحة المسلحة لا يبدو موحداً. فبعد الإعلان الرسمي عن انتهاء مهمة التحالف الدولي وانسحابه من العراق، الأربعاء الماضي، أعلنت "كتائب سيد الشهداء" و"حركة أنصار الله الأوفياء" موافقتهما على المضي في خطوة نزع السلاح ضمن الجداول الزمنية المحددة، في تحول مقارنة بمواقف سابقة لعدد من الفصائل التي كانت ترفض أي مسار يؤدي إلى تسليم سلاحها.

وتلقى الزيدي هذه المواقف بإيجابية، مثنياً على قرار الفصيلين، وداعياً بقية الفصائل إلى الانخراط في المسار الحكومي، في محاولة لإظهار إمكانية إنجاز ملف حصر السلاح عبر التفاهم السياسي الداخلي، بعيداً عن المواجهة المباشرة.
في المقابل، لا تزال فصائل مسلحة أخرى موالية لإيران ترفض، حتى الآن، تسليم سلاحها أو الالتزام بالمسار الحكومي.
تحذيرات من تداعيات التصعيد
وقال المحلل السياسي المقرب من قوى الإطار التنسيقي سلام عادل، لـ"النهار"، إن "الحكومة العراقية تلقت تحذيرات أميركية جدية على خلفية عدم حسم ملف حصر السلاح بيد الدولة، وواشنطن تتعامل مع الملف باعتباره اختباراً مباشراً لقدرة بغداد على فرض سلطتها الأمنية".
وأضاف عادل أن "التحذيرات الأميركية جدية، وإن استمرار عدم الالتزام بالجدول الزمني لحصر السلاح قد يفتح الباب أمام إجراءات أميركية تصعيدية، تبدأ بالضغوط والعقوبات المالية والاقتصادية، ولا تستبعد خيارات عسكرية ضد الفصائل".
وأوضح أن "خطورة المرحلة تكمن في أن انتهاء مهمة التحالف الدولي نقل ملف السلاح إلى مرحلة جديدة، ولم يعد أمام الحكومة مجال كبير لتأجيل الحسم، خصوصاً أن استمرار الخلاف قد ينعكس على الوضع الأمني والاقتصادي وعلاقة العراق بالولايات المتحدة".
مستوى ضغط مرتفع
بدوره، قال أستاذ العلوم السياسية في جامعة بغداد علي الربيعي، لـ"النهار"، إنه "يجب الحذر من خطورة الرسالة التحذيرية الأميركية التي تلقتها الحكومة العراقية بشأن ملف حصر السلاح بيد الدولة، خاصة أن مضمونها يعكس ارتفاع مستوى الضغط الأميركي على بغداد ويدفع الملف إلى مرحلة أكثر حساسية".
وأضاف الربيعي أن "خطورة الرسالة تكمن في أنها لا تتعلق بمهلة سياسية فقط، وإنما تتضمن تحذيراً من تداعيات مالية واقتصادية وأمنية في حال استمرار عدم حسم ملف السلاح، خاصة أن أي انتقال من الضغط السياسي إلى إجراءات عقابية أو عسكرية ستكون له انعكاسات مباشرة على استقرار العراق ومصالحه".
وأكد أن "بغداد أمام مساحة زمنية محدودة لتقديم خطوات واضحة وملموسة بشأن حصر السلاح، لأن استمرار الرفض من بعض الفصائل قد يفاقم الضغوط الأميركية ويزيد احتمالات التصعيد، خصوصاً بعد انتهاء مهمة التحالف الدولي وانتقال العلاقة العراقية ـ الأميركية إلى مرحلة جديدة".
اختبار للدولة والعلاقة مع واشنطن
وبذلك، لم يعد ملف السلاح مجرد خلاف داخلي بين الحكومة والفصائل، بل بات مرتبطاً، وفق المعطيات السياسية والأمنية الراهنة، بقدرة الدولة العراقية على تثبيت قرارها الأمني وإدارة علاقتها مع الولايات المتحدة بعد انتهاء مهمة التحالف الدولي.
وبينما تسعى الحكومة إلى إغلاق الملف عبر التفاوض والتدرج، تواجه في المقابل ضرورة إقناع الفصائل بالانخراط في المسار الحكومي، مع تجنب تحول الخلاف إلى مواجهة أمنية مفتوحة، في وقت تشير التحذيرات الأميركية إلى تضاؤل هامش المناورة أمام بغداد.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
كانت عائلتها توثّق تفاصيل حياتها اليومية، من اللعب وحضور مواعيدها الطبية، إلى قضاء الوقت مع أفراد عائلتها.
نبض