الحوثيون يوسّعون نفوذهم... ماذا يريدون أبعد من إسناد إيران؟
مكاسبهم الأخيرة تمنح إيران أوراق ضغط إضافية في مواجهة واشنطن، لكن حسابات "أنصار الله" لا تتوقف عند طهران.
من صنعاء إلى باب المندب، يسعى الحوثيون إلى تحويل مكاسبهم العسكرية وقدرتهم على تهديد الملاحة إلى نفوذ سياسي واقتصادي. فتحركاتهم تخدم إيران في مواجهتها مع الولايات المتحدة، وتمنح الجماعة فرصة للدفع بأجندتها الخاصة، من انتزاع الاعتراف بسلطتها في اليمن إلى المشاركة في رسم ترتيبات الأمن في البحر الأحمر.
ويتداخل في هذا التصعيد مساران، أحدهما إيراني يرتبط بزيادة كلفة الضغط الأميركي على طهران، والآخر حوثي يتصل بمستقبل السلطة وموارد الدولة. فإلى أي حد يستطيع الحوثيون توظيف حاجة حليفهم الإيراني إليهم لتحقيق طموحاتهم؟
من تثبيت السلطة إلى طموح إقليمي
يشرح أستاذ العلاقات الدولية في معهد العلوم السياسية في باريس كريم إميل بيطار لـ"النهار" أن "المفارقة في مسألة العلاقة بين الحوثيين وإيران هي أنه قبل سنوات، لم تكن هذه العلاقة عضوية كما هي الحال بين إيران و"حزب الله". لم يكن الحوثيون يعتبرون ذراعاً مسلحة لطهران، بل كانوا يتمتعون بقدر من الاستقلالية وهامش خاص في اتخاذ القرار. إلا أن الحرب في اليمن منذ عام 2015، ولا سيما الحرب ضد إيران خلال العامين الماضيين، أسهمت في تعزيز هذه العلاقة وجعلها أكثر عضوية".
وفي قراءته للتصعيد الراهن، يعتبر بيطار أن "العمليات اليمنية الأخيرة تشكل إحدى الأوراق التي تستخدمها طهران في مواجهتها مع الولايات المتحدة. ففي ظل حالة الاختناق الاقتصادي التي تسعى الاستراتيجية الأميركية الجديدة إلى فرضها على إيران، اختارت طهران التصعيد وأرادت أن تظهر للأميركيين أنها قادرة على تحميلهم وتحميل حلفائهم في الخليج كلفة باهظة جداً، لا سيما على الصعيد الاقتصادي. وهذا ما يفسر، إلى حد بعيد، الهجمات الحوثية الأخيرة ضد المملكة العربية السعودية".
أما داخلياً، فيحدد بيطار أهداف الجماعة بقوله إن "ما يريده الحوثيون هو تثبيت الأمر الواقع الذي بنوه منذ سيطرتهم على صنعاء، والحصول على اعتراف بهم بوصفهم السلطة المركزية الأساسية في اليمن، والاحتفاظ بجهازهم العسكري والأمني، والسيطرة على جزء أساسي من موارد الدولة".

ويربط هذه الأهداف بطبيعة السلطة التي أقامتها الجماعة: "طبعاً، للمشروع بُعد أيديولوجي أيضاً. فقد نشأت الحركة الحوثية في بيئة زيدية وفي ظل شعور بالتهميش، لكنها تحولت مع الحرب إلى نظام حكم يجمع بين مؤسسات الدولة الرسمية وشبكات حزبية وعسكرية وأمنية موازية".
ويمتد هذا الطموح إلى موقع الحوثيين خارج الحدود اليمنية. فبحسب بيطار، هم "يريدون أولاً ضمان ألا يعود اليمن قاعدة يمكن استخدامها ضدهم، لكنهم يريدون أيضاً أن يُعامَلوا بوصفهم طرفاً فاعلاً في معادلات البحر الأحمر والخليج، لا مجرد ملف يمني داخلي".
مع ذلك، يضع بيطار سقفاً لقدرتهم على ترجمة هذه الأهداف، معتبراً أن "هذه الطموحات المتزايدة سرعان ما ستصطدم بحدود الإمكانات العسكرية والاقتصادية للحوثيين، التي لا تزال، رغم الدعم الإيراني، محدودة جداً بالمقارنة مع حجم الأدوار الإقليمية التي يسعون إلى الاضطلاع بها".
توقيت إيراني ومكاسب حوثية
ويذهب الباحث في الأمن الإقليمي والجماعات المسلحة إبراهيم جلال أبعد في تقدير أهداف الجماعة، معتبراً في حديث لـ"النهار" أن الحوثيين يريدون "السيطرة على اليمن كل اليمن كخطوة أولى ومن ثم تعزيز مسار التوسع خارجياً لنشر مشروعهم الجهادي العابر للحدود".
ويربط جلال التحرك العسكري الأخير بحسابات طهران، موضحاً أن "توقيت التوسع العسكري نحو باب المندب في هذا التوقيت يعكس بدرجة رئيسة الأولويات الإيرانية. كان بإمكانهم محاولة شن عملية عسكرية خلال الثماني سنوات الماضية، لماذا الآن؟ لأن العائد من حصار طهران لمضيق هرمز انخفض بعد حصار واشنطن، لذا تسعى إيران لتحسين موقفها التفاوضي وزيادة أوراق النفوذ، ناهيك عن ضم الحوثيين لأي خريطة تهدئة إقليمية على غرار حزب الله".
وتتلاقى هذه الحسابات، بحسب جلال، مع "وجود تقاطعات مع الأهداف الحوثية، كالهروب من الضغوط المحلية وفشل دفع المرتبات، تعبئة المجتمع، محاولة الوصول للموارد الاقتصادية، وتعزيز أوراق النفوذ".
وتزداد أهمية الجماعة لطهران مع تراجع خياراتها الإقليمية، وفق قراءة جلال، الذي يشدد على أن الحوثيين "يمثلون آخر أوراق طهران المتماسكة إقليمياً، وأي مكاسب تحققها الميليشيا تفيد المحور في وقت هو أحوج فيه لأي نصر".
نبض