القوش العراقية… ثلاثة آلاف عام من التاريخ وذاكرة مسيحية حيّة
القوش (شمال العراق) – آية القيسي
على سفوح الجبال الشمالية لمحافظة نينوى، وعلى بُعد نحو 48 كيلومتراً من مدينة الموصل، تتربّع بلدة القوش بوصفها واحدة من أقدم البلدات المسيحية في العراق وأكثرها حضوراً في الذاكرة الدينية والتاريخية. ويعود تاريخ البلدة إلى آلاف السنين، فيما ارتبط اسمها بالمسيحية الشرقية وبالكنيسة الكلدانية الكاثوليكية التي يشكّل أبناؤها غالبية سكانها اليوم.
وتكتسب القوش مكانة خاصة في تاريخ المسيحية في بلاد الرافدين، إذ تُنسب بدايات التبشير المسيحي في المنطقة إلى تلاميذ المسيح الذين وصلوا إلى المشرق في القرون الأولى للميلاد، وفي مقدّمهم الرسول توما وتلاميذه. كما شكّلت البلدة على مدى قرون مركزاً دينياً مهماً لكنيسة المشرق، وارتبطت بسلالة البطاركة الإيليين الذين قادوا الكنيسة لقرابة ثلاثة قرون.
شواهد مبكرة على الحضور المسيحي
يتحدث خوري كنيسة القوش الأب غزوان شهارا لـ"النهار" عن أبرز الأدلة التاريخية على الوجود المسيحي المبكر في البلدة، مشيراً إلى وصول المطران مار ميخا بين عامي 393 و415 للميلاد لتسلّم أبرشية القوش.
ويقول إن خروج أهالي البلدة والكهنة والشمامسة لاستقباله يُعد دليلاً واضحاً على وجود جماعة مسيحية منظمة قبل ذلك التاريخ بوقت طويل، إذ إن تعيين مطران لمنطقة معينة يفترض وجود رعية مستقرة ومؤسسات كنسية قائمة.
ويرتبط اسم مار ميخا أيضاً بذاكرة القوش الدينية، إذ ينقل الأهالي رواية مفادها أنه بارك البلدة وتمنى أن تبقى بعيدة عن الحروب والأعداء، وهي رواية لا تزال حاضرة في الوجدان الشعبي لسكانها.
مجتمع يحافظ على هويته
تتميز القوش بخصوصية اجتماعية وثقافية واضحة، إذ يشكّل المسيحيون الكلدان الغالبية الساحقة من سكانها، مع حفاظ البلدة على هويتها الدينية واللغوية عبر الأجيال.
ولا تزال اللغة الآرامية، بلهجتها المحلية، حاضرة في الحياة اليومية وفي الطقوس الدينية، فيما يحتفظ العديد من أبناء البلدة بالمهن التقليدية كالحرف اليدوية والزراعة والحدادة والخياطة، إلى جانب انخراط الأجيال الجديدة في مجالات التعليم والعمل الحديثة.
كما تحتفظ أحياء القوش القديمة بطابعها العمراني التقليدي، حيث البيوت الحجرية والأزقة الضيقة التي تعكس تاريخ البلدة وخصوصيتها.
أديرة ومزارات شاهدة على التاريخ
تزخر القوش بعدد من الكنائس والأديرة والمزارات التي تشكل جزءاً أساسياً من تاريخها الديني والثقافي. ومن أبرز هذه المعالم دير الربان هرمزد، المشيّد في أعالي الجبل والمحفور في الصخور، والذي شكّل على مدى قرون مقراً لبطاركة سلالة الإيليين، ولا يزال يحتل مكانة خاصة لدى أبناء البلدة الذين يقصدونه في مناسبات دينية عدة، ولا سيما الاحتفالات التي تُقام بعد عيد الفصح.

كما تحتضن القوش مرقد النبي ناحوم، الذي يُعد من أبرز المزارات اليهودية التاريخية في العراق، إضافة إلى كنيسة مار كوركيس التي تعود جذورها إلى القرون المسيحية الأولى، إلى جانب عدد من الكنائس والمزارات التي لا تزال تؤدي دوراً دينياً واجتماعياً في حياة سكان البلدة.
وتبقى القوش، رغم التحولات التي شهدها العراق خلال العقود الماضية، واحدة من أهم الحواضر المسيحية في بلاد الرافدين، وبلدةً حافظت على إرثها الديني واللغوي والثقافي، لتغدو شاهداً حياً على تاريخ يمتد آلاف السنين.
نبض