عيد الأضحى في ليبيا: طوابير لـ"الكاش" وتمسّك بتقاليد وقلق أمني
من أبرز العادات التي يجهد الليبيون للحفاظ عليها شراء الأضاحي وذبحها وتوزيع لحومها بعد صلاة العيد...
أربعة مشاهد سُجلت في مدن ليبية مركزية بحلول عيد الأضحى عكست على اختلافها حال الليبيين ووضعهم المعيشي، في بلد يفترض أن يتصدر مؤشرات أغنى بلدان المنطقة.
الأول كان تزاحم يضم مزيجاً من عشرات الليبيين والمهاجرين الأفارقة أمام ساحات توزيع لحوم الأضاحي بالمجان، وعلى بعد أمتار كان المئات يصطفون في طوابير أمام ماكينات الصراف الآلي لسحب ما تيسر من أموالهم قبل العيد في ظل تعطل الخدمات المصرفية وأزمة سيولة تضرب البلاد.
وفيما كانت محطات البنزين تعج بمئات السيارات في انتظار حصة من وقود بات شحيحاً، استمرت التحشيدات المسلحة في مدينة الزاوية الساحلية (غرب ليبيا) إلى جانب ارتفاع وتيرة حوادث الاغتيال بالمدينة والمناطق المحيطة بها، ما استدعى إطلاق البعثة الأممية للدعم تحذيرات من "تصعيد يُنذر بإشعال موجة جديدة من العنف ويزيد من تعريض المدنيين للخطر"، داعية في بيان، مساء الثلاثاء، جميع الأطراف إلى اغتنام حلول عيد الأضحى، كفرصة للمصالحة وضبط النفس والحوار، وإعلاء مصلحة وسلامة السكان.
تقاليد تتلاشى وأخرى صامدة... ما أبرز عادات العيد في ليبيا؟
وعلى وقع مشهد مرتبك وأزمات سياسية واقتصادية وأمنية تعصف بليبيا ومؤسساتها، تغيرت نكهة العيد مع تغير الأجيال وتلاشي الكثير من العادات رغم صمود بعض الطقوس في هذه المناسبة، فيما عمّت أجواء البهجة مختلف المدن الليبية، وتوافد الآلاف إلى ساحات المساجد لأداء صلاة العيد.

ومن أبرز العادات التي يجهد الليبيون للحفاظ عليها شراء الأضاحي وذبحها وتوزيع لحومها بعد صلاة العيد "كطقس يحمل بُعداً اجتماعياً تجتمع عليه العائلات ويُضفي البهجة على الصغار، كما أنه يمثل أحد مظاهر التكافل الاجتماعي ودعم الفقراء والمهمشين"، وفق المحاسب الليبي عاطف الجهيمي الذي يلفت في حديث لـ"النهار" إلى أن الأسواق شهدت خلال الأيام الماضية، رغم المعاناة الاقتصادية، إقبالاً على شراء الأضاحي واقتناء الزي التقليدي (الزبون)، ما بدا رسالة شعبية مفادها "نُريد استعادة حياتنا، بعيداً من دائرة مفرغة من الصراعات والأزمات".
ويحرص الليبيون بعد صلاة العيد على معايدة كبار السن من أفراد الأسرة، قبل أن يتوجهوا إلى بيوتهم لذبح أضاحيهم، بحيث يتم البدء بذبح أضحية كبير العائلة أولاً ثم الأصغر فالأصغر، وفق الجهيمي، الذي يُشير إلى أن أول ما يتناوله الليبيون من الأضحية على مائدة الإفطار ما تُسمّى "القلاية"، وهي خليط من الكبدة والرئة والقلب، ويتم تناولها مع خبز التنور.
هل استعادت الثروة الحيوانية في ليبيا عافيتها؟
وأعاد الأضحى الزخم إلى ثروة ليبيا الحيوانية بعد سنوات عانت خلالها من انتشار الأمراض والتغيرات المناخية، وفق الشايب الطيب، وهو صاحب مزرعة لبيع الخراف، ويؤمن بأنه ببعض الاهتمام والدعم الحكومي يمكن أن تتحول تربية الماشية إلى مصدر للدخل الأجنبي، مؤكداً لـ"النهار" أن بلاده صدّرت بالفعل خلال الأسابيع الماضية إلى دول الجوار آلاف القطعان من الخراف الحية من النوع "البرقي"، والتي تعود أصولها إلى شرق ليبيا، وتحديداً منطقة برقة حيث تنتشر المراعي الطبيعية.
ويوضح الطيب أن أسعار الأضاحي "شهدت ارتفاعاً هذا العام بنحو 15 في المئة، بسبب انخفاض قيمة العملة المحلية في مقابل ارتفاع أسعار الأعلاف ومصاريف الشحن والنقل، مع بقاء الأسعار في المنطقة الشرقية أقل من الغربية، بسبب توافر المراعي شرقاً وتوافر السلالات المستوردة"، مشيراً إلى أن سعر الخروف الواحد يراوح بين 2500 إلى 5000 دينار (بين 390 و780 دولاراً أميركياً).
ويتفق الطيب مع الجهيمي على أن ارتفاع الأسعار لم يؤثر على حركة بيع الأضاحي باعتبارها طقساً دينياً واجتماعياً يتمسك به الليبيون، لكنه يلفت إلى اتجاه البعض من أصحاب البيوت خلال العام الأخير الى تحويل هذه ساحاتها إلى حظائر لتربية المواشي والخراف كمشاريع صغيره تدر دخلاً على العائلة.
حكومتان تتنازعان السلطة... وتتنافسان على الأضاحي
وأمام ارتفاع الأسعار، تنافست الحكومتان المتنازعتان على السلطة في شرق ليبيا وغربها في استيراد أطنان من اللحوم والماشية لتوزيعها مدعومة قبل العيد. ويُشير الحقوقي الليبي طارق لملوم في حديث لـ"النهار" إلى أن "مدينة الكفرة (جنوب ليبيا) شهدت خلال أيام عيد الأضحى ذبح ١٠٠ رأس من الإبل ومثلها من الأبقار، وتوزيعها على النازحين والأشقاء السودانيين الموجودين في المدينة، ضمن مبادرة إنسانية تبنتها قيادة الجيش الوطني واستمرت ثلاثة أيام".
من جانبه يؤكد الأكاديمي المتخصص في التراث والتاريخ الليبي علي الهازل لـ"النهار" على أن "اهتمام الليبيين بشراء الأضحية بكل ما استطاعوا من قدرة مالية، لا يعود فقط لما يحمله الطقس من بُعد ديني، وإنما بات الأمر إرثاً يحمل أبعاداً اجتماعية كالتفاخر والتباهي بين العائلات بعضها البعض وبين الجيران. فرغم ما يعانيه المواطن من أزمات اقتصادية يتمسك بشراء الأضحية، حتى ولو من خلال الاستدانة أو الحصول على قرض"، لافتاً في حديث لـ"النهار" إلى أن "بعض المصادر التاريخية تُشير إلى أن الخراف البرقاوية تُمثل سلالة نادرة مهمة في ليبيا، إذ يمتاز لحمها بلذة الطعم كونه كان يأكل من نبات السلفيوم الذي يعود إلى عهد الإغريق، وكان ينتشر في إقليم برقة لكنه اندثر مع مرور الزمن".
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
اتّسمت الحلقة الثانية من مرحلة المواجهات بأجواء حماسية، مع استمرار النجوم المدرّبين رامي صبري وداليا مبارك والشامي في اختيار الأصوات المتأهلة إلى المرحلة المقبلة.
نبض