من باماكو إلى المتوسط... كيف تهدد الفوضى في مالي دول شمال أفريقيا؟
في ظل تراجع دور "الحزام الأمني" التقليدي الذي كان يفصل بين المنطقتين، يُحذر خبراء أمنيون من أن تداعيات ما يحدث في مالي قد تتجاوز حدودها الجغرافية، لتطاول مجمل منطقة شمال أفريقيا، التي لم تعد بمنأى عن اضطرابات منطقة الساحل.
مالي تحت وطأة ضعف السلطة المركزية
ومنذ أيام تعيش مالي على وقع تطور أمني غير مسبوق مع هجمات متبادلة بين الجيش المالي وجماعات متطرفة في مناطق عدة بلغت العاصمة باماكو، فيما سيطرت "جبهة تحرير أزواد" الانفصالية على مدينة كيدال شمال البلاد.
وبات الوضع الأمني في المنطقة مفتوحاً على سيناريوهات مختلفة.
ويقول الباحث والأكاديمي الجزائري جيلالي كرايس إن مالي جزء من منطقة الساحل وهي منطقة رخوة، وتعيش حالة من الهشاشة والضعف البنيوي في السلطة المركزية، مما يجعل المنطقة ككل تعيش توترات وصراعات لا متناهية.
ويلفت إلى دور التدخل الأجنبي وصراع المصالح بين القوى الكبرى في صناعة المشهد في البلد، وخصوصاً الوجود الفرنسي حيث تبحث فرنسا وفق قوله "عن تحقيق مصالح اقتصادية واستراتيجية، وتعزيز مناطق نفوذها بعدما شهدت تراجعاً واضحاً في السنوات الأخيرة".
ويضيف أن مالي تعيش شبه عزلة مع محيطها الأفريقي بسبب سياسات السلطة الحاكمة "وهو ما يزيد من هشاشة ما يحدث فيها وخطورته"، وفق تقديره.
ومنذ عام 2020 يسيطر المجلس العسكري المقرب من روسيا على السلطة، لكنه يواجه حركات تمرد عنيفة من جماعات انفصالية وميليشيات مسلحة من أبرزها "نصرة الإسلام والمسلمين" وتنظيم "داعش" و"جبهة تحرير أزواد" شمالاً.
هل تشهد دول شمال أفريقيا موجات هجرة ولجوء؟
وفي منطقة تُعدّ الهجرة غير النظامية واحداً من الملفات التي تثقل كاهل حكوماتها، تخشى دول شمال أفريقيا من أن تدفع الأحداث الأمنية وحالة الفوضى التي تعيشها مالي في الأيام الأخيرة بموجات هجرة كبيرة، إذ يتوقع أن يفر عدد كبير من الماليين إلى النيجر والجزائر ومنها إلى تونس وليبيا.
ويشدد كرايس على أن الوضع في مالي خطير ويمكن أن يؤدي إلى موجات من الهجرات، وما يزيد الوضع خطورة في تقديره هو "علاقة السلطة الحاكمة مع جيرانها لا سيما الجزائر" التي يمكنها وفق قوله "تقديم المساعدة ولديها الكثير من مفاتيح الصراع".

لكنه يلفت إلى أن الجزائر التي تمتلك أطول شريط حدودي مع مالي لديها مقاربتها واستراتيجيتها في تأمين حدودها وعدم السماح بتمدد الأزمة إليها، لافتاً إلى أنها تمتلك خبرة وتجربة في التعاطي مع مثل هذه الأزمات.
ورغم الثروات المعدنية الكبيرة التي تمتلكها، يقول الخبير في الشؤون الأفريقية مصطفى عبد الكبير لـ"النهار" إن مالي تعاني من أزمة اقتصادية خانفة تدفع بمواطنيها للبحث عن مغادرتها بأي شكل من الأشكال حيث يقبع نحو نصف سكانها تحت خط الفقر.
ويرى أن الأحداث الأخيرة ستدفع بالآلاف من الماليين للتفكير في اجتياز الحدود باتجاه أوروبا، مشدداً على أن منطقة شمال أفريقيا ستكون وجهتهم المقبلة.
ورغم أن تونس لا تمتلك حدوداً برية مع مالي فمن المتوقع أن تصلها تدفقات الماليين الهاربين من أتون الحرب عبر حدودها مع الجزائر.
ويلفت إلى أن الأزمات والصراعات التي عاشتها دول أفريقيا جنوب الصحراء دفعت بموجات من المهاجرين غير النظاميين إلى تونس كمحطة عبور باتجاه أوروبا.
ويشير إلى أن الوضع سيكون شبيهاً بما حدث في ليبيا والسودان.
وشهدت تونس منذ عام 2011 موجات هجرة غير نظامية كبيرة، وباتت تصنف كمنطقة عبور رئيسية في رحلة الوصول إلى الضفة الأخرى من المتوسط.
وبات ملف الهجرة غير النظامية واحداً من الملفات التي تثير جدلاً حقوقياً وقانونياً واقتصادياً وسياسياً في البلد.
ووقّعت أغلب دول شمال أفريقيا اتفاقيات تعاون استراتيجية مع الاتحاد الأوروبي لاقت انتقادات حقوقية واسعة، إذ ترى الأصوات المنتقدة أنها حولتها إلى حارس حدود بحري متقدم لسواحل أوروبا.
هل تستغلّ شبكات إرهابية أزمة مالي للتسلل؟
ولا تقف المخاوف عند تدفقات المهاجرين، إذ يُحذر الخبراء من أن ما تعيشه مالي وعجز السلطة عن ضبط النظام سيحدثان حالة فراغ أمني كبير يعطي مساحة كبيرة لشبكات الإرهاب والجريمة للتحرك.
ووفق العديد من التوقعات يخشى أن يكون لذلك ارتدادات على دول الشمال.
ويقول عبد الكبير إن العناصر المنتمية للشبكات الإرهابية والاجرامية قد تتسلل عبر هذه التدفقات، وهو ما يشكل تحدياً أمنياً كبيراً بالنسبة لدول منطقة شمال أفريقيا.
ويرى أن هذه الدول مطالبة بمزيد اليقظة وتكثيف الرقابة على حدودها والتنسيق بينها منعاً لتسلل هذه العناصر الخطيرة إليها.
نبض