طواقم إزالة الألغام تمشط العاصمة السودانية المدمرة بحثا عن المتفجرات

العالم العربي 20-04-2026 | 18:19

طواقم إزالة الألغام تمشط العاصمة السودانية المدمرة بحثا عن المتفجرات

عاد أكثر من 1,8 مليون شخص إلى الخرطوم منذ أعلن الجيش سيطرته عليها في آذار/مارس 2025، توجه معظمهم إلى مناطق أكثر أمنا بعيدا عن وسط المدينة.
طواقم إزالة الألغام تمشط العاصمة السودانية المدمرة بحثا عن المتفجرات
إزالة الألغام في السودان (أ ف ب)
Smaller Bigger

في متنزه كان وجهة رائجة بين العائلات في الخرطوم، يبحث حسين إدريس عن الألغام باستخدام جهاز كشف المعادن مرتديا معدات الحماية، بعدما حولت الحرب العاصمة السودانية إلى حقل ألغام تجاهد الحكومة لتطهيره.

 

ورغم أن خطوط المواجهة بين الجيش وقوات الدعم السريع انتقلت من العاصمة إلى ولايات كردفان والنيل الأزرق جنوبي البلاد، خلفت أعوام الحرب أعدادا هائلة من الذخائر التي لم تنفجر في الخرطوم التي تحاول استعادة الحياة الطبيعية وسط بنية تحتية مدمرة وحقول ألغام متناثرة.

 

ويقول إدريس لوكالة فرانس برس بعدما قضى نهاره بحثا عن الألغام المدفونة في الحديقة "العمل صعب ولكننا الحمد لله ما زلنا على قيد الحياة ونتمنى أن يعود المتنزه أحسن مما كان".

وتنتشر في أنحاء متنزه "المقرن للعائلات" لافتات حمراء تتوسطها رسومات جماجم تحت عبارة "خطر ألغام" لتحذير المدنيين من الاقتراب.

وبعد يوم طويل من العمل الشاق، وضع إدريس - الذي يعمل في إزالة الألغام منذ نحو عقدين - جهاز الكشف عن المعادن جانبا ورفع خوذته في مواجهة الشمس الحارقة التي أصبحت الآن في وسط السماء.

ويستمر العمل في تطهير الألغام منذ آب/أغسطس الماضي بعد خمسة أشهر من سيطرة الجيش على الخرطوم في عملية عسكرية واسعة أخرجت قوات الدعم السريع من وسط البلاد.

وحتى منتصف 2025، كان يعتقد بالفعل أن حرب الشوارع التي شهدت تفجيرات بالقنابل والذخائر المدفعية والصواريخ استهدفت حتى المنازل والمستشفيات، خلّفت الكثير من الذخائر التي لم تنفجر.

ولكن في تموز/يوليو حين تسبب جنديان في انفجار لغم عن طريق الخطأ اكتشفت السلطات أن الألغام قد زُرعت عمدا على مساحة تمتد 4,5 كيلومترات مربعة ما زاد من صعوبة المهمة الشاقة بالفعل.

وتقول السلطات إنها أزالت عشرات الآلاف من المتفجرات في أنحاء العاصمة، ويتولى المجلس النروجي للاجئين بالتعاون مع منظمة محلية تطهير حديقة المقرن التي أزالوا منها حتى الآن 12,000 جسما متفجرا.

غير أن ما أنجز حتى الآن لا يتجاوز جزءا صغيرا من العمل المطلوب في الخرطوم، بحسب السلطات، التي وجدت حقلين آخرين للألغام وأعلنت مناطق واسعة غير آمنة للمدنيين.

 

إزالة الألغام في السودان (أ ف ب)
إزالة الألغام في السودان (أ ف ب)

 

وفي زيارة للموقع تحت إشراف السلطات شاهد صحافيو فرانس برس صفين متعرجين من الأعمدة الخشبية المطلية باللون الأصفر التي تشير إلى الألغام التي تمت إزالتها.

الهدف: التشويه 

 

تقع حديقة المقرن على الواجهة الغربية لوسط الخرطوم التي احتلتها قوات الدعم السريع بعد عملية خاطفة مع اندلاع المعارك في نيسان/أبريل 2023، والتي سيطرت عليها حتى نجاح العملية العسكرية للجيش قبل عام.

ويقول المشرف على فريق إزالة الألغام جمعة إبراهيم لفرانس برس إن "الهدف من الألغام هو منع القوات من الانتشار وإبقائهم على الطريق قادمين من النيل"، دون توضيح الجهة التي زرعت الألغام.

 

 

كانت الاستراتيجية هي إبقاء المقاتلين في الشوارع ليكونوا تحت طائلة القناصة المنتشرين في البنايات العالية، وإذا حاولوا التفرق والاختباء بين الأشجار تقابلهم الألغام التي لم تُصمم للقتل وإنما لتشويه الضحايا وإضعاف الروح المعنوية.

وبحسب الفريق تم العثور على أول لغم في جزيرة بوسط الطريق لا يتجاوز عرضها مترا واحدا يرجح أنه وضع هناك لاستهداف أي جندي يحاول الاحتماء بالنخلة المزوعة بوسطها.

ولا تزال الشوارع مليئة بالشظايا والطلقات الفارغة والحفر حيثما سقطت قذائف المدفعية.

وأزال الفريق حتى الآن 164 جسما خطرا بينها 19 لغما بشريا (وهي أجسام صغيرة تنفجر بمجرد اللمس) و7 ألغام آلية.

وبحسب إبراهيم "يمكن أن نقدر أن المنطقةأصبحت نظيفة تقريبا بنسبة 80 بالمئة".

مشهد كنهاية العالم 

غير أن إزالة الألغام تبدو مهمة سهلة مقارنة بإعادة تأهيل وسط الخرطوم الذي تملؤه الشظايا والركام كأنه مشهد لنهاية العالم.

فقد شوهت المعارك أبرز مبانيها حتى بات يصعب التعرف عليها فيما امتلأت أخرى بآثار الرصاص والطلقات المدفعية التي لم ينفجر بعضها بعد.

وفي أحد الشوارع، شاهد صحافيو فرانس برس قذيفة دبابة ضخمة لم تنفجر يبدو عليها الصدأ ومحاطة بزجاج مهشم فيما أكد ضابط الجيش المرافق لهم أنها قذيفة غير منفجرة ولا يمكن أن تُحدث ضرر.

ولكن خلف جدران المباني وجدت العائلات التي عادت مؤخرا قذائف داخل المنازل، والشهر الماضي تم العثور على قذيفة أمام روضة أطفال في منطقة بحري.

وعلى مدار العام الماضي قتل وأصيب العشرات مع الانفجار الخاطئ لقذائف غير منفجرة بحسب تقارير.

وقال ممثل دائرة الأمم المتحدة للإجراءات المتعلقة بالألغام محمد صديق رشيد الشهر الماضي إن العائلات "تعود إلى بيئة شديدة الخطورة وغالبا ما يكون ذلك دون إدراك للمخاطر".

وعاد أكثر من 1,8 مليون شخص إلى الخرطوم منذ أعلن الجيش سيطرته عليها في آذار/مارس 2025، توجه معظمهم إلى مناطق أكثر أمنا بعيدا عن وسط المدينة.

ولا تزال أحياء بأكملها غارقة في الظلام مع انهيار البنية التحتية وانقطاع المياه والكهرباء.

العلامات الدالة