العراق: استمرار الخلاف الكردي – الكردي يرحّل انتخاب رئيس إلى ما بعد رمضان
بغداد – محمد البغدادي
يستمر الخلاف الكردي – الكردي في العراق على منصب رئاسة الجمهورية، بوصفه أحد أبرز العقد السياسية العالقة حالياً. فعلى رغم الاجتماع الذي جمع زعيم الحزب الديموقراطي الكردستاني مسعود بارزاني ورئيس الاتحاد الوطني الكردستاني بافل طالباني، والذي عقد الأربعاء الماضي وسط آمال بإحداث اختراق في جدار الأزمة، إلا أن اللقاء انتهى من دون التوصل إلى اتفاق حاسم بشأن تسمية مرشح توافقي لرئاسة الجمهورية، ما أعاد التأكيد على عمق الخلافات السياسية والحزبية داخل البيت الكردي.
هذا الإخفاق لا ينحصر بتداعياته على التوازنات الكردية الداخلية فحسب، بل ينعكس مباشرة على مجمل العملية السياسية في البلاد، في ظل دخول العراق فعلياً مرحلة الفراغ الدستوري، بعد عجز مجلس النواب العراقي عن عقد جلسة انتخاب رئيس الجمهورية. فرغم دعوتين رسميتين وجهتهما رئاسة المجلس خلال الشهر الماضي، إلا أن الجلسات لم تعقد بسبب عدم اكتمال النصاب القانوني، الأمر الذي كشف حجم التعقيدات السياسية وتداخل المصالح بين الكتل المختلفة، واستخدام النصاب أداة ضغط في الصراع السياسي.

وتنحصر المنافسة على منصب رئاسة الجمهورية بين مرشحي الحزبين الرئيسيين في إقليم كردستان، وهما نزار آميدي عن حزب الاتحاد الوطني الكردستاني، و فؤاد حسين عن الحزب الديموقراطي الكردستاني، رغم وجود 17 مرشحاً اخر ترشحوا للمنصب، بينهم من القوميات العربية المختلفة.
وتؤكد قوى سياسية عراقية مختلفة لـ"النهار"، أن "المعطيات الحالية تؤكد أن ملف انتخاب رئيس الجمهورية سوف يرحل الى ما بعد شهر رمضان الذي يبدأ نهاية الأسبوع المقبل، بسبب صعوبة توصل القوى السياسية الكردية وكذلك القوى السياسية الأخرى الى دعم مرشح واحد لرئاسة الجمهورية".
"الديموقراطي الكردستاني"
ويقول القيادي في الحزب الديموقراطي الكردستاني وفاء محمد كريم، لـ"النهار"، أن "الاجتماع الأخير الذي جمع زعيم الحزب مسعود بارزاني برئيس الاتحاد الوطني الكردستاني بافل طالباني، أسفر عن تفاهم أولي وليس اتفاقاً نهائياً بشأن اختيار مرشح توافقي لمنصب رئيس الجمهورية".
وبيّن كريم أن "التفاهم يندرج ضمن مساع جدية لتوحيد الموقف الكردي واختيار شخصية تمثل البيت الكردي، وحسم هذا الملف لايزال بحاجة إلى مزيد من المشاورات السياسية بين الطرفين، والاجتماع توصل إلى الاتفاق على تشكيل مجلس سياسي مشترك يضم الحزبين الرئيسيين، يتولى مهمة حسم اختيار مرشح رئاسة الجمهورية، إلى جانب معالجة ملف تشكيل حكومة إقليم كردستان، الذي لا يزال معطلاً منذ أكثر من عام، وما ترتب عليه من تداعيات سياسية وإدارية داخل الإقليم".
وكشف أن "هناك اجتماعاً مهماً آخر يعقد الأحد لاستكمال النقاشات ووضع آليات عملية لعمل المجلس السياسي، والمؤشرات الحالية ترجح ترحيل حسم ملف انتخاب رئيس الجمهورية إلى ما بعد رمضان، نظراً الى تعقيدات المشهد السياسي وحاجة الأطراف إلى مزيد من الوقت للتوصل إلى توافق نهائي، واستمرار الحوار بين الحزبين يمثل خطوة أساسية لكسر حالة الجمود السياسي، سواء على مستوى رئاسة الجمهورية في بغداد أو على صعيد إنهاء أزمة تشكيل حكومة الإقليم".
"الاتحاد الوطني"
من جهته، قال القيادي في الاتحاد الوطني الكردستاني محمود خوشناوه، لـ"النهار"، أن "الاجتماع الأخير الذي جمع طالباني وبارزاني كان إيجابياً من حيث الأجواء العامة وطرح الملفات الخلافية، إلا أنه لم يفض إلى اتفاق نهائي بشأن مرشح رئاسة الجمهورية حتى الآن".
وأكد خوشناوه أن "اللقاء شهد تبادلاً واضحاً لوجهات النظر، وحرصاً مشتركاً على استمرار الحوار بين الطرفين، ومنصب رئاسة الجمهورية يعدّ استحقاقاً سياسياً ودستورياً للاتحاد الوطني الكردستاني، ولا يمكن التنازل عنه ضمن أي تسوية سياسية".
كذلك بيّن أن "الأيام المقبلة ستكون كفيلة توضيح ملامح المرحلة المقبلة بشكل أدق، وملف رئاسة الجمهورية قد يحتاج إلى مزيد من الوقت والحوار لحسمه، في ظل تعقيد المشهد السياسي وتشابك المواقف بين القوى المختلفة".
وأضاف أن "خيار ترحيل هذا الملف إلى ما بعد شهر رمضان المبارك يبقى وارداً وغير مستبعد، في حال لم تتوافر أرضية توافقية كافية خلال الفترة القريبة، والاتحاد الوطني الكردستاني منفتح على جميع المسارات التي تضمن شراكة حقيقية وتوافقاً يخدم الاستقرار السياسي في البلاد".
في المقابل، قال عضو الاطار التنسيقي رحيم العبودي، لـ"النهار"، إن "قادة الإطار على تواصل واتصال شبه يومي بالقيادات الكردية، في إطار مساع حثيثة لدفعهم نحو الاتفاق على مرشح توافقي، فاستمرار الخلاف على هذا الملف الحساس ينعكس سلباً على مجمل المشهد السياسي في البلاد".
واعتبر العبودي أن "تأخير حسم ملف رئاسة الجمهورية يمثل استمراراً لحالة الفراغ الدستوري، ويعدّ خرقاً واضحاً للمدد الدستورية التي نص عليها الدستور، الأمر الذي ينعكس بدوره على تعطيل باقي الاستحقاقات السياسية، وفي مقدمها استكمال إجراءات تكليف رئيس مجلس الوزراء والمضي قدماً في عملية تشكيل الحكومة الجديدة".
وأضاف أن "الإطار التنسيقي ينظر إلى التفاهم الكردي–الكردي بصفته خطوةً أساسيةً ومفتاحاً ضرورياً لكسر الجمود السياسي، وأي تقدم في هذا الاتجاه يساهم في تسريع الاستحقاقات الدستورية، ويعيد الزخم إلى العملية السياسية، ويحقق حالة من الاستقرار المؤسسي الذي ينتظره الشارع العراقي".
وأكد أن "قادة الإطار التنسيقي يواصلون جهودهم واتصالاتهم بمختلف الأطراف، انطلاقاً من مسؤوليتهم الوطنية، بهدف التوصل إلى حلول توافقية تضمن احترام الدستور، وإنهاء حالة الانسداد، وتهيئة الأجواء لتشكيل حكومة قادرة على تلبية تطلعات المواطنين ومعالجة التحديات الاقتصادية والخدمية والأمنية في المرحلة المقبلة".
ومع استمرار هذا المشهد المأزوم، تتزايد المخاوف من أن يؤدي غياب التوافق الكردي إلى إطالة أمد الشلل الدستوري، وتأخير استكمال الاستحقاقات الدستورية المرتبطة بتشكيل السلطات، في وقت يواجه فيه العراق تحديات سياسية واقتصادية وأمنية متشابكة.
وبين محاولات إعادة فتح قنوات الحوار، وضغوط داخلية وخارجية تدفع نحو التهدئة والتوافق، يبقى ملف رئاسة الجمهورية عالقاً عند تقاطع الخلاف الكردي من جهة، وحسابات القوى السياسية العراقية الأخرى الأوسع من جهة أخرى، ما ينذر بمزيد من التعقيد في المشهد السياسي خلال المرحلة المقبلة.
وبحسب الدستور العراقي فقد حدد سقفاً زمنياً واضحاً لانتخاب رئيس الجمهورية، يقضي بوجوب انتخابه خلال 30 يوماً من تاريخ انعقاد الجلسة الأولى لمجلس النواب الجديد، مع استمرار الرئيس القائم بتصريف مهامه لحين انتخاب بديل جديد. وبسبب الخلاف والصراع السياسي على المنصب تجاوز فيه العراق فعلياً المهلة الدستورية المحددة لاختيار رئيس الجمهورية، وفق ما ينص عليه الدستور. وأصدر مجلس القضاء الأعلى في العراق أخيراً بياناً دعا فيه إلى "الالتزام الصارم بالتوقيتات الدستورية الخاصة بتعيين رئيسَي الجمهورية ومجلس الوزراء"، محذراً من "أي خرق قد يهدد الاستقرار السياسي"، ودعا القوى والأحزاب السياسية إلى "احترام المدد الدستورية ومنع أي تدخل خارجي، حفاظاً على المسار الديمقراطي للبلاد".
نبض