السودان: المقامرة بـ "الكيماوي" وسقوط الرواية الشرعية

السودان: المقامرة بـ "الكيماوي" وسقوط الرواية الشرعية
من مشاهد الحرب في السودان. (أ ف ب)
Smaller Bigger

حين تُتَّهم جيوشٌ وطنية باستخدام أسلحةٍ محرّمة دوليًا، فإن المسألة لا تبقى في حدود التكتيك العسكري الميداني ولا حتى الانتهاك الحقوقي العابر، بل تتحول إلى زلزالٍ سياسي وأخلاقي يعصف بشرعية الدولة ومنظومتها السيادية.

في الحالة السودانية الراهنة، تبدو المزاعم المتعلقة باستخدام مواد كيميائية، ومن بينها غاز الكلور، بمثابة انتقال خطير من حربٍ أهلية مدمّرة إلى كسرٍ صريح لـ "الخط الأحمر" الذي رسمه القانون الدولي منذ بروتوكول جنيف 1925 واتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية لعام 1993.

السودان دولة موقّعة على هذه المعاهدات الدولية، وأي خرقٍ من هذا النوع لا يُقرأ كفعلٍ معزول في ميدان قتال ضيق، بل كقرارٍ سياسي–عسكري استراتيجي يعكس استعدادًا صريحًا للمقامرة بمكانة الدولة وعلاقاتها الخارجية.

وهنا تتضاعف الكلفة السياسية؛ إذ لا تتوقف عند حدود الإدانة الورقية، بل تمتد لتشمل حزمة من العقوبات الذكية، والعزلة الدبلوماسية، ووصم المؤسسة العسكرية بـ "الإرهاب الكيميائي"، وهو وصمٌ طويل الأمد يصعب محوه من الذاكرة الدولية حتى لو توقفت مدافع الحرب غدًا.

الأخطر من الاتهام ذاته هو التوقيت والسياق الجيوسياسي الذي يأتي فيه. فالجيش، الذي يسعى قادته جاهدين لإعادة تسويق أنفسهم دوليًا كـ "سلطة أمر واقع" شرعية، يجد اليوم أبواب العواصم الكبرى تُغلق في وجهه تباعًا.
وبغضّ النظر عن نفي السلطات أو تشكيكها في مصداقية هذه المزاعم، فإن مجرد فتح هذا الملف دوليًا يفرض كلفة سياسية فورية لا تنتظر نتائج التحقيق، ويضع الخطاب الرسمي في موقع الدفاع بدل المبادرة.

ملف الأسلحة المحرّمة يضع أي نظام في خانة الأنظمة المنبوذة، ومع تشدد المواقف الأميركية في واشنطن، وتريث بروكسل المشروط بتحقيقات دولية مستقلة، تتقلص هوامش المناورة السياسية أمام بورتسودان إلى حدّها الأدنى، مما يحول حلم الاعتراف الدولي إلى سراب بعيد المنال.

وفي هذا المشهد المعقد، لا يمكن للعين الفاحصة تجاهل الدور العضوي لجماعة الإخوان المسلمين (الحركة الإسلامية) داخل بنية القرار العسكري–السياسي الحالي. فالتاريخ القريب يشير إلى أن تغلغل هذا التيار في مؤسسات الدولة، خصوصًا الأجهزة الأمنية ووحدات التصنيع الحربي، لم يكن يومًا تقنيًا أو محايدًا.

هذه الجماعة، التي اعتادت إدارة الصراعات بعقلية "التمكين أو الفوضى"، ترى في التصعيد النوعي وسيلة يائسة لإطالة أمد الحرب، وإفشال أي مسار تسوية إقليمي أو دولي قد يفضي إلى تفكيك نفوذها أو تقديم رموزها للمساءلة.

وتعزز هذا التصور سوابق تاريخية معروفة لتوظيف مؤسسات الدولة في مشاريع أيديولوجية مغلقة على مدى العقود الثلاثة الماضية، حيث اقترن ذلك باستخدام العنف الممنهج، بما في ذلك الجرائم الواسعة التي ارتُكبت في دارفور، والتي أفضت إلى ملاحقة قادة من الجيش والنظام السابق أمام المحكمة الجنائية الدولية.

 

دخان الحرب ما زال يلبد سماء الخرطوم. (أ ف ب)
دخان الحرب ما زال يلبد سماء الخرطوم. (أ ف ب)

 

إن اللجوء لخيارات "شمشون" واستخدام أسلحة محرّمة - إن ثبت قطعياً- ينسجم تمامًا مع هذا المنطق الانتحاري: حرق الأرض سياسيًا وأخلاقيًا قبل القبول بمبدأ الخسارة أو التنازل عن امتيازات السلطة.

إن التداعيات المباشرة لهذا التوجه تضعنا أمام مشهد بائس: جيشٌ يزداد عزلة، وسلطةٌ تفقد أهليتها للتمثيل الدولي، وعملية سلام تبتعد منالًا تحت وطأة الرعب الكيميائي. وبدلًا من أن يكون الحوار السياسي الوطني هو العنوان العريض للمرحلة، تتقدم ملفات المساءلة الجنائية الدولية والتحقيقات الأممية إلى الواجهة، ليتحول الصراع من نزاعٍ داخلي على السلطة إلى ملف دولي ثقيل الظل يهدد السلم والأمن الإقليميين.

في نهاية المطاف، لا تُقاس قوة الجيوش الحديثة بمدى فتك أسلحتها أو خروجها عن القانون، بل بقدرتها الأخلاقية على حماية الدولة وصون إنسانها، لا تدمير ما تبقّى من شرعيتها في سبيل بقاء نخبٍ أيديولوجية بعينها.

وحين تُستدعى أسلحة الدمار الجماعي الشامل إلى صراعات الداخل، فإن الخاسر الأول ليس الخصم العسكري، بل هو الوطن بأكمله الذي يُذبح مرتين: مرة بنار السلاح، ومرة بسقوط القيم التي تمنحه حق البقاء كدولة محترمة بين الأمم.

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

ثقافة 1/29/2026 3:45:00 PM
عودة إلى مسيرة هدى شعراوي، الممثلة السورية التي رحلت عن عالمنا اليوم مقتولةً، بعد أن دخلت الذاكرة الشعبية باسم "أم زكي".
سياسة 1/29/2026 10:35:00 AM
العسكريون المتقاعدون ينتظرون وعداً من سلام لرفع رواتبهم إلى 85 في المئة من قيمتها الفعلية للعام 2019 ويؤكدون أن التصعيد في مقابل عدم الاتفاق.
فن ومشاهير 1/29/2026 3:20:00 PM
شعراوي قُتلِت على يد عاملة المنزل التي لاذت بالفرار عقب الجريمة.
فن ومشاهير 1/29/2026 8:53:00 PM
ما إن فتح أحد الأحفاد الباب حتى شمّ رائحة حريق. دخل مسرعاً بدافع القلق، ليعثر على جدّته ممدّدة على سريرها...