بين ضرورات الإدارة وحساسية الديبلوماسية: تعيينات الخارجية السورية تثير جدلاً
أثار قرار وزارة الخارجية السورية تعيين ممثلين عنها في عدد من العواصم المؤثرة موجة انتقادات واسعة، امتدت من مواقع إعلامية إلى شخصيات سياسية ونخبوية وأكاديمية من أطياف مختلفة، ما أعاد فتح نقاش حساس حيال معايير اختيار ممثلي الدولة في الخارج، وحدود الموازنة بين الاعتبارات الإدارية الداخلية ومتطلبات التمثيل الديبلوماسي في مرحلة انتقالية دقيقة.
وكانت الوزارة قد أعلنت أمس، وفق وسائل إعلام محلية، تعيين عدد من كوادرها في مناصب قائم بالأعمال في سفارات أساسية شملت واشنطن، موسكو، برلين، الرياض، القاهرة وبيروت، في إعلان مقتضب لم يتضمن شرحاً للمعايير أو خلفيات القرار.
التفسير الإداري: مأزق التراتبية
في مقابل الانتقادات، برز تفسير إداري متداول في أوساط قريبة من وزارة الخارجية، يفيد بأن التعيينات جاءت كحل لمأزق تنظيمي نشأ بعد إعادة التواصل مع ديبلوماسيين منشقين ومنح بعضهم رتباً ديبلوماسية عالية، في وقت يشغل فيه مديرو إدارات حاليون مناصبهم بصفتهم متعاقدين لا يحملون رتباً.
وبحسب هذا التفسير، فإن إدماج العائدين في إدارات يرأسها مديرون أو نواب مديرين بلا رتب كان سيؤدي إلى إشكاليات في التراتبية الوظيفية، ما دفع إلى اعتماد خيار إيفاد مديري الإدارات ونوابهم إلى السفارات بصفة قائم بالأعمال، لتخفيف الاحتكاك الداخلي والحفاظ على الهيكل التنظيمي.
وفي هذا السياق، أوضح السياسي السوري الأميركي أيمن عبدالنور الذي نقل التفسير على صفحته بالفيسبوك، أن جميع المعيّنين خضعوا لدورات رفع مستوى وتأهيل ديبلوماسي، مطوّلة ومكثفة، أُقيمت في الأردن والسعودية، وشارك فيها مختصون من خارج ملاك الوزارة، مشيراً إلى أن النقاش بشأن الحل استمر قرابة شهرين قبل اعتماده.
الأسماء والمواقع
وبحسب ما أُعلن، شملت التعيينات:
محمد قناطري في واشنطن، عضو إدارة الشؤون السياسية، شغل منصب مسؤول العلاقات الخارجية ونائب مدير إدارة أميركا.
أشهد صليبي في موسكو، مُنح رتبة عقيد في كانون الأول/ديسمبر 2024، شغل رئاسة هيئة الطيران المدني، ثم انتقل نائباً لمدير إدارة روسيا وشرق أوروبا.
زكريا لبابيدي في بكين، مدير إدارة الشؤون الأفروآسيوية وأوقيانوسيا منذ أيار/مايو، درس في جامعة الإمام الأوزاعي وشغل سابقاً إدارة مدرسة في إدلب.
محمد براء شكري في برلين، مدير الشؤون الأوروبية ضمن تعيينات أيار/مايو، حاصل على ماجستير علوم سياسية من جامعة تركية.
محسن مهباش في الرياض، معاون وزير الخارجية للشؤون العربية، عُيّن مشرفاً سياسياً لا قائماً بالأعمال.
محمد الأحمد في القاهرة، شغل منصب مدير إدارة الشؤون العربية.
إياد الهزاع في بيروت، كان مسؤول الإدارة السياسية في طرطوس قبل نقله إلى العمل الديبلوماسي.
"أهل الثقة" أم معيار الكفاءة؟
ورغم التفسير الإداري، ركّزت انتقادات واسعة على خلفية بعض المعيّنين بوصفهم من الحلقة الضيقة التي عملت ضمن ما عُرف سابقاً بـ"إدارة الشؤون السياسية" في إدلب، المرتبطة بهيئة تحرير الشام. وبحسب هذا الطرح، لا تتعلق الإشكالية بالخبرة فحسب، بل بسؤال الكفاءة مقابل الولاء، وما إذا كانت التعيينات تعبّر عن انتقال فعلي إلى منطق الدولة أم عن إعادة إنتاج نموذج "أهل الثقة".
ويرى منتقدون أن هذه المسألة تزداد حساسية في عواصم كبرى مثل واشنطن وبرلين وموسكو، إذ لا يُنظر إلى القائم بالأعمال كموظف إداري، بل كواجهة سياسية وحضارية وصوت للدولة أمام صناع القرار والرأي العام.
خفض مستوى التمثيل
كما أثار اعتماد صفة "قائم بالأعمال" بدل سفير تساؤلات إضافية، إذ يعتبر معترضون أن خفض مستوى التمثيل في عواصم مفصلية ينعكس على صورة الدولة وقدرة البعثات على الحركة والتأثير، مهما كانت التبريرات الداخلية. ويُستحضر هنا سؤال البدائل، ولا سيما الديبلوماسيين المنشقين ذوي الخبرة وشبكات العلاقات الواسعة، خصوصاً في أوروبا والولايات المتحدة.
اعتراضات نخبوية وتساؤل عن الصمت
لم يقتصر الجدل على الإعلام ومواقع التواصل، بل شمل شخصيات من خلفيات متنوعة. فقد وجّه وفيق رضا سعيد رسالة مفتوحة إلى وزير الخارجية أسعد الشيباني دعا فيها إلى إعادة الاعتبار لمعايير الكفاءة والخبرة، مستحضراً نماذج من تاريخ الديبلوماسية السورية بعد الاستقلال، قبل أن تُحذف الرسالة لاحقاً من صفحته من دون توضيح الأسباب.
كما عبّر باحثون وإعلاميون، بينهم مأمون سيد عيسى وأحمد العودات ولينا سنجاب، عن انتقادات صريحة، معتبرين أن التعيينات تعكس نمطاً قائماً على المحسوبية أو التزكية الشخصية أكثر من اعتمادها على الخبرة المتراكمة، ومحذرين من انعكاس ذلك على صورة الدولة في الخارج.
جهاد مقدسي ونقاش المعايير
وفي خضم النقاش، عاد اسم جهاد مقدسي إلى التداول كنقطة مقارنة لا كترشيح فعلي. ويُقدَّم مقدسي من قبل بعض الأصوات نموذجاً لديبلوماسي يمتلك خبرة ولغة وشبكات علاقات، في مقابل تحفظات مرتبطة بماضيه الرسمي. غير أن مقدسي نفسه هنّأ محمد قناطري على تعيينه قائمًاً بالأعمال في واشنطن، معتبراً افتتاح السفارة "خبراً إيجابياً للجميع»، في إشارة فُهمت على أنها رفض لزج اسمه في الجدل.
اختبار مفتوح
يبقى الجدل حيال التعيينات الديبلوماسية مفتوحاً بين من يراها حلاً إدارياً مرحلياً فرضته ظروف معقدة، ومن يعتبرها مؤشراً مقلقاً على طريقة إدارة التمثيل الخارجي في مرحلة حساسة. وبين هذين الطرحين، يتفق معظم المتابعين على أن المحك لن يكون في الأسماء وحدها، بل في الأداء والنتائج.
فالسؤال الأساسي لم يعد محصوراً بكيفية اتخاذ القرار، بل بما إذا كانت هذه البعثات ستنجح في تحسين موقع سوريا الديبلوماسي وبناء قنوات فاعلة مع عواصم القرار، أم أن الجدل الراهن سيكون مدخلًا لنقاش أوسع بشأن معايير التمثيل وهوية الدولة التي تسعى سوريا إلى تقديمها للعالم.
نبض