هل تتأثر تونس بعودة "داعش" إقليمياً بعد عملية القصرين؟
في عملية استباقية جديدة، نجح الأمن التونسي في القضاء على خلية إرهابية من أربعة أشخاص في منطقة ماجل بلعباس- محافظة القصرين، بعد تعقبها ورصد تحركاتها وفق ما كشفت وزارة الداخلية.
إنها العملية الثانية تنفذها الأجهزة الأمنية والعسكرية التونسية في المدة الأخيرة، بعد القضاء مطلع كانون الثاني/ يناير على خلية إرهابية أخرى في محيط سوق أسبوعية في مدينة القصرين غرب البلاد.
ورغم أن السلطات تؤكد أن الوضع الأمني تحت السيطرة، يفتح وقوع العمليتين في المنطقة نفسها الباب أمام تساؤلات أعمق: هل نحن أمام حوادث معزولة، أو مؤشرات لعودة نشاط الخلايا المتطرفة؟ وأيّ علاقة بالتطورات الإقليمية الأخيرة؟
عامل الجغرافيا
بحكم موقعها الجغرافي القريب من الحدود الجزائرية وتضاريسها الوعرة، كانت محافظة القصرين منذ 2011 مسرحاً للعديد من العمليات الإرهابية، بعدما احتمت العناصر المتطرفة بجبالها واتخذتها ملجأ ومسكناً لها.
لسنوات متتالية ارتبط اسم القصرين بجماعات موالية لتنظيم "داعش" وأخرى قريبة من "القاعدة" في بلاد المغرب، كانت وراء التخطيط لعدد من العمليات استهدفت أمنيين وعسكريين ومدنيين.

خلايا داعش تراهن على العمل السري
لكن تونس نجحت أخيرا في الحد بنسبة كبيرة من نشاطات هذه الجماعات بعد تفكيكها والقضاء على أبرز عناصرها.
ورغم الضربات المتلاحقة التي تلقتها هذه التنظيمات خلال السنوات الأخيرة، تكشف التطورات الأخيرة أن بعض الخلايا لا تزال تراهن على العمل السري والاستنزاف الطويل المدى.
وبحسب عدد من المحللين الأمنيين، فإن "داعش" اليوم لا يحتاج إلى السيطرة على الأرض، بل إلى إثبات الوجود، وهذا ما يحصل عبر خلايا صغيرة وعمليات محدودة.
ويقول الخبير الأمني علي زرمديني لـ"النهار" إن عناصر تنظيم "داعش" لا يعيشون في عزلة، لافتاً إلى أنهم يتواصلون في ما بينهم رغم الحصار الكبير المفروض عليهم.
ويضيف: "هناك حتماً تواصل وتنسيق مع التنظيم المركزي".
ويرجح أن تكون أوامر صدرت أخيراً بإعادة التمركز بعد تضييق الخناق على التنظيم الذي يرغب في العودة إلى المشهد، مشيرا إلى أن الخلايا والتنظيمات المتفرقة على الدول تتلقى تعليماتها من التنظيم المركزي بطرق مختلفة، وتعمل على تنفيذ ما يُطلب منها عبر تكتيك يعول على الخلايا الصغيرة النائمة والذئاب المنفردة والوسائل البدائية، من أجل افتعال ضجة إعلامية وإثبات الوجود.
ويؤكد الخبير التونسي أن التنظيم في شمال إفريقيا يتحرك وفق هذه المنهجية، لافتا إلى أن العمليات الأخيرة التي نجحت الأجهزة الأمنية التونسية في التصدي لها تكشف أن هناك رغبة من تنظيم "داعش" وعناصره في إيجاد أرضية جديدة في إطار الحرب النفسية التي يخوضها.
ويلاحظ أن "التنظيمات الإرهابية لا تختفي بالكامل، بل تعيد التموضع وتنتظر اللحظة المناسبة لإعادة الظهور".
هل عاد شبح الإرهاب؟
غالبا ما يكون هذا أول سؤال يطرحه الجميع فور حدوث أي عملية إرهابية في تونس، ولا تكون الإجابة قاطعة. فالقضاء على الإرهاب حرب طويلة الأمد وفق زرمديني الذي يشير إلى أن "الإرهاب فكرة، وما دامت موجودة فلا يمكن القضاء عليها لأن هناك دائماً من ينجحون في استقطابه".
ويتابع: "لم يعد خطر التنظيمات الكبيرة هو المخيف بقدر ما أصبح خطر الذئاب المنفردة والخلايا الصغيرة ذات الارتباط الأيديولوجي أكثر من التنظيمي".
لكنه في المقابل يؤكد أن قضاء الأجهزة التونسية على الخليتين في إطار عملية استباقية، دليل كبير على مدى النجاح الذي حققته تونس في هذا المجال وتفوّق أمنها على هذه التنظيمات. ويقول: "راكمت تونس خبرة أمنية واستخبارية مهمة منذ 2012، ونجحت في تفكيك البنية الصلبة للجماعات الإرهابية".
لا يمكن قراءة العمليتين الأخيرتين في محافظة القصرين التونسية بمعزل عن التطورات الإقليمية المتسارعة، وفق العديد من المراقبين.
وتشير التقارير الدولية إلى محاولات "داعش" إعادة تنظيم صفوفه في مناطق توتر مفتوحة في الشرق الأوسط، مستفيداً من النزاعات الممتدة في سوريا والعراق، ومن هشاشة الأوضاع في بعض الدول.
وأما بالنسبة إلى الحالة التونسية، فيُذكّر زرمديني بالموقع الجغرافي الإستراتيجي لتونس الرابط بين دول الصحراء، التي باتت مرتعاً لهذه التنظيمات وأوروبا.
ويوضح: "تاريخياً، تعدّ تونس ممراً مهماً على طريق الوصول إلى أوروبا التي هي الهدف الأول لهذه التيارات باعتبارها "دار الكفر" وفق تعبيرهم".
ويشدد على أن تونس، مثل غيرها من دول المنطقة، ليست بمعزل عن الارتدادات الأمنية لما يجري في الشرق الأوسط وفي منطقة الساحل.
ولا تعني عملية القصرين الأخيرة عودة للإرهاب إلى تونس، لكنها تذكّر مرة أخرى بأنها لم تحسم معركتها مع التطرف نهائياً.
نبض