تقهقرت "قسد"... فتغيّرت استراتيجية إسرائيل السورية! 

العالم العربي 27-01-2026 | 06:45

تقهقرت "قسد"... فتغيّرت استراتيجية إسرائيل السورية! 

تعتبر إسرائيل أن تراجع "قسد" هو "درس قاس" في تقلبات السياسة الأميركية، وهذا يدفعها لإنشاء حزام أمني يعتمد على دبابات الميركافا ونقاط المراقبة المتقدمة.
تقهقرت "قسد"... فتغيّرت استراتيجية إسرائيل السورية!  
جندي إسرائيلي عند نقطة مراقبة في هضبة الجولان السورية. (أ ف ب)
Smaller Bigger

لا تنظر مؤسستا الدفاع والاستخبارات في تل أبيب إلى التراجع السريع لـ"قوات سوريا الديموقراطية" (قسد) أمام زحف الحكومة السورية بوصفه فشلاً لنموذج الحكم الذاتي الكردي الذي كان يمثل "حائط صد" علمانياً أمام انزلاق سوريا في أتون "الأسلمة السياسية التامة"، بل كان بداية لولادة تهديد إسلامي مركزي على حدودها، يكاد يُنهي سياسة "تفتيت سوريا" التي تخدم المصالح الإسرائيلية. فالانهيار المتسارع في الشمال السوري يضع إسرائيل أمام معضلة أمنية كبرى: هل تقبل بالواقع الجديد وتتفاوض مع نظام إسلامي برعاية أميركية، أم تستمر في خطتها لتقويض المركزية السورية بدعم جيب الأقلية الدرزية في الجنوب؟

 

يردّ محللون في "يديعوت أحرونوت" و"معاريف" الإسرائيليتين سرعة انهيار "قسد" إلى ما تسميانه "نكوصاً أميركياً عن دعم الكرد واكتفائها بشراكة عسكرية معهم ضد داعش". هذا النكوص جعل من "قسد" كياناً ماكثاً في "برزخ سياسي": فلا هو دولة مستقلة، ولا هو جزء من المركز. وهذا البرزخ اسم آخر لفراغ استغلته حكومة دمشق بضوء أخضر تركي، لتفرض على الكرد شروط "الإدماج الفردي" بدلاً من "الإدماج كتلة واحدة"، وهذا ما تراه إسرائيل "ضربة قاضية لفكرة الجيش الرديف في الشمال". 

 

 

مقاتلات كرديات في صفوف قسد. (أ ف ب)
مقاتلات كرديات في صفوف قسد. (أ ف ب)

 

 

وتتبنى الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية (أمان) ومركز "ألما" العبري للدراسات الأمنية رؤية قاتمة حيال سيطرة دمشق على مناطق "قسد". فبالنسبة إلى المقدم احتياط ساريت زهاوي، الرئيس السوري أحمد الشرع لا يبني "سوريا جديدة ديموقراطية"، بل يبني "دولة إسلامية" تتبنى أيديولوجية القاعدة. وتشير البيانات الاستخبارية إلى أن شبكة مدارس هيئة تحرير الشام تضاعفت في عام واحد، ويُلقّن فيها الطلاب مبادئ الجهاد ورفض التعايش مع "الكيان الصهيوني"، وهذا يعني أن الجيل المقبل في سوريا "سيكون أشد عداءً" لإسرائيل من جيل البعث.

 

وما يضاعف المخاوف الإسرائيلية هو السلوك الميداني للقوات الحكومية السورية التي دخلت المناطق الكردية. فقد وثقت تقارير إسرائيلية رفع شعار "خيبر خيبر يا يهود... جيش محمد سوف يعود". هذه المشاهد تعزز قناعة في القدس مفادها: "سقوط ’قسد‘ خسارة علمانية، والخطر على إسرائيل يتعاظم بفقدان الحاجز الكردي".

 

تلك القناعة ناتجة من عوامل أربعة: 

  1. الاستقرار الاقتصادي للنظام الجديد: بسقوط دير الزور والحسكة في يد قوات دمشق، سيطرت حكومة الشرع على منابع النفط والغاز، وهذا منحها التمويل اللازم لبناء جيش مركزي قوي وتطوير صناعات عسكرية محلية.
  2. الشرعية الإقليمية والدولية: ترى إسرائيل أن سيطرة دمشق على كامل الجغرافيا السورية، بموافقة تركية ومباركة أميركية، ستؤدي إلى رفع العقوبات الدولية، وهذا يجرّد إسرائيل من أدوات الضغط الاقتصادي التي كانت تستخدمها لإضعاف الدولة السورية.
  3. تلاشي استراتيجية التفتيت: كان الرهان الإسرائيلي على سوريا "مفتتة" عرقياً وطائفياً (كرد في الشمال، دروز في الجنوب، علويون في الساحل)، إذ يسهل التعامل مع كل جيب على حدة، وعودة السلطة المركزية تعني عودة "عدو موحد" يمسك بورقة السيادة.
  4. بروز جبهة سنية متطرفة: تحلّ محلّ "محور الممانعة الشيعي" المنهك، وهذه جبهة تمتلك شرعية "شعبية" أكبر في الداخل السوري.

 

 

 

تركيا وإسرائيل: صراع نفوذ على الدم الكردي

ترى الأوساط البحثية الإسرائيلية في تركيا ورئيسها رجب طيب أردوغان "الرابحين الأكبرين" من انهيار "قسد". فبينما كانت إسرائيل تدفع نحو الاعتراف الدولي بكيان "روجافا" لعرقلة الطموح التركي في سوريا، أقنعت أنقرة الإدارة الأميركية بأن استقرار سوريا يمر بتفكيك "الممر الإرهابي الكردي". وهذا التأثير التركي في واشنطن يمثل تهديداً لإسرائيل، فأنقرة تسعى إلى فرض وصاية سياسية وأمنية على دمشق، وهذا يحول سوريا إلى منطلق للسياسات التركية المعادية لإسرائيل. وتؤكد تقارير معهد "ستيمنسون" أن إسرائيل حاولت عرقلة الاعتراف الدولي بالشرع ومنع رفع العقوبات، "إلا أن التحالف التركي - السعودي كان أشد تأثيراً في واشنطن"، كما يقول.

 

أحد أكثر الجوانب حساسية في السياسة الإسرائيلية تجاه سوريا هو العلاقة مع الموحدين الدروز في السويداء والتي كشف تقرير "واشنطن بوست" عن أبعادها العميقة والسرية. ترى إسرائيل أن سقوط كرد الشمال نذير شؤم لدروز الجنوب، فستتفرغ قوات الشرع الآن لإنهاء حالة "الاستعصاء الدرزي".  وبحسب الصحيفة الأميركية، تُنزل إسرائيل سراً أسلحة ومعدات في السويداء، منذ سقوط بشار الأسد، وشملت تجهيزات قتالية (500 بندقية هجومية وذخائر وسترات واقية وزعت على "المجلس العسكري الدرزي"، إضافة إلى صواريخ مضادة للدبابات أرسلت إليهم من خلال "قسد")، وتقدم للدروز تمويلاً (رواتب شهرية لنحو 3000 مقاتل درزي تتراوح بين 100 و200 دولار لكل فرد)، وتؤمن لهم دعماً استخبارياً (تزويد قادتهم بصور أقمار صناعية إسرائيلية لتحركات القوات الحكومية).

 

دروز قرب حاجز حدودي بقرية مجدل شمس شمال إسرائيل يلوحون لحافلات تنقل دروزاً من سوريا، 14 مارس 2025. (أ ف ب)
دروز قرب حاجز حدودي بقرية مجدل شمس شمال إسرائيل يلوحون لحافلات تنقل دروزاً من سوريا، 14 مارس 2025. (أ ف ب)

 

رداً على تراجع "قسد"، حدّثت إسرائيل عقيدتها الأمنية، منتقلة من سياسة "إدارة النزاع" مع سوريا إلى سياسة "فرض الوقائع الميدانية". فلم تعد تكتفي بالغارات الجوية، إنما أنشأت ما يسمى "بنية الحواجز" (Buffer Architecture) التي تضم 10 نقاط عسكرية متقدمة داخل الأراضي السورية خارج منطقة الجولان المحتلة. 

 

تتوزع الاستراتيجية الإسرائيلية الجديدة في أربع مناطق نفوذ محددة: 

  1. منطقة انتشار ناشط: تمتد من الحدود اللبنانية حتى حوض اليرموك، حيث تقوم القوات الإسرائيلية بعمليات تمشيط ونزع سلاح دورية لضمان خلو المنطقة من أي تهديد بري.
  2. منطقة توغلات: تغطي مساحة 600 كم مربع، وتشمل جنوب غرب ريف دمشق، حيث تفرض إسرائيل سيطرة نارية وتمنع أي تحرك عسكري سوري دون إذن مسبق.
  3. منطقة نفوذ جوي: تهدف لمنع إعادة بناء شبكات الدفاع الجوي السورية، أو وصول أسلحة نوعية من إيران لما تبقى من خلايا نائمة.
  4. منطقة قوة ناعمة: تشمل توزيع مساعدات إنسانية وسلال غذائية في قرى القنيطرة لبناء علاقات مع السكان المحليين، وتجنيدهم كشبكة إنذار مبكر ضد أي تسلل جهادي. 

 

تؤكد تقارير معهد "إيتانا" العبري أن إسرائيل تستخدم "الخطوط الحمراء النارية" للتحكم في سلوك الحكومة السورية، حيث قصفت وحدات تابعة لوزارة الدفاع السورية لمنعها من الانتشار في الجنوب، كما شنت غارات عنيفة في تموز/يوليو 2025 وقتلت 300 مقاتل حكومي حاولوا التقدم نحو السويداء، موجهةً رسالة مفادها أن "حماية الدروز" خط أحمر إسرائيلي. 

 

وأحد أهم الهواجس التي تثير الرعب في قلوب محللي "يديعوت أحرونوت" هو مصير معتقلي "داعش" بعد انسحاب "قسد" التي كانت تدير 25 منشأة احتجاز تضم أخطر إرهابيي العالم. رصدت إسرائيل هروب عناصر قيادية من سجن "الشدادي"، وهذا يهدد بعودة "داعش" ليوجه بندقيته نحو إسرائيل لتكتسب شرعية "جهادية" في مواجهة الشرع. لقد تحوّل مخيم الهول إلى "ورقة مساومة" في يد نظام دمشق، وتخشى إسرائيل من استخدام دمشق متطرفي الهول بوصفهم "ذراعاً" غير رسمية لتنفيذ عمليات ضد إسرائيل، مع إنكار مسؤوليتها الرسمية، كما فعل نظام الأسد سابقاً. 

 

تنسيق اضطراري مع العدو

في تحول براغماتي لافت في 6 كانون الثاني/يناير 2026، أعلنت الولايات المتحدة عن اتفاق إسرائيلي-سوري لإنشاء "آلية اندماج مشتركة". ليست هذه الآلية اتفاق سلام، بل "خلية اتصال ساخنة" تحت إشراف أميركي، تهدف إلى (1) تبادل استخباري محدود بشأن تحركات خلايا "داعش" والقوى غير المنضبطة؛ و(2) منع التصادم لتجنب وقوع مواجهات بين الطيران الإسرائيلي والقوات السورية التي تتوسع في مناطق قسد السابقة؛ و(3) إدارة الأزمة الإنسانية في الجنوب، حيث وافقت إسرائيل "مجبرةً" على دخول قوات أمن داخلية سورية محدودة إلى السويداء لضبط الفلتان الأمني مقابل ضمانات بعدم المساس بالقيادات الدرزية الموالية لها. 

 

 

مقاتلون أكراد في صفوف قوات سوريا الديموقراطية. (أ ف ب)
مقاتلون أكراد في صفوف قوات سوريا الديموقراطية. (أ ف ب)

 

 

وبحسب "بيكوم" (BICOM)، هذه الآلية هي "الحد الأدنى" الذي قبل به رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لضمان أمن إسرائيل في ظل تراجع "قسد"، لكنه لا يزال يصر على "نزع السلاح الكامل" في الجنوب السوري وصولاً إلى حدود العاصمة دمشق كشرط لأي انسحاب من النقاط التي يحتلها جيشه في الميدان السوري.

 

في نهاية المطاف، تعتبر إسرائيل أن تراجع "قسد" هو "درس قاس" في تقلبات السياسة الأميركية، وهذا يدفعها لإنشاء حزام أمني لا يعتمد على تفاهمات سياسية هشة، بل على "دبابات الميركافا ونقاط المراقبة المتقدمة التي باتت تشرعن وجودها كأمر واقع في سوريا". ولن يكون الصراع المقبل بين "نظام ومعارضة"، بل بين "مركزية دمشق الإسلامية" و"كانتونات إسرائيل الأمنية" في الجنوب، في معركة ستحدد وجه الشرق الأوسط.

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

المشرق-العربي 1/25/2026 6:00:00 PM
مقتل المحامية الشابة زينة المجالي متأثرة بإصابات خطيرة تعرّضت لها داخل منزل العائلة في العاصمة عمّان.
المشرق-العربي 1/25/2026 8:00:00 PM
ماذا تفعل ابنة آصف شوكت في اجتماع وزاري بدمشق؟ الوزارة توضح وتضع ضوابط جديدة
اقتصاد وأعمال 1/26/2026 5:43:00 AM
قانون الإيجارات لا يجوز تطبيقه جزئيا، "لأنه قائم في أساسه على وجود اللجان والصندوق
النهار تتحقق 1/26/2026 3:02:00 PM
حصدت الصورة عشرات آلاف المشاهدات، وآلافا عدة من اللايكات ومئات التعليقات، بينها لمستخدمين تساءلوا عن صحتها. ماذا وجدنا؟