ليس الإرهاب في سوريا عسكرياً فقط!
تبقى قضية مكافحة الإرهاب من أكثر الملفات تعقيداً وتشابكاً في المشهد السوري. فعلى رغم دحر "داعش" عسكرياً في عام 2019، ما زال التنظيم يستغل الهشاشة السياسية والأمنية والاقتصادية في البلاد لإعادة تنشيط خلاياه ومحاولة فرض نفسه فاعلاً مؤثراً في المعادلة السورية.
في مسألة الإرهاب ومكافحته، ثمة ما لا نعيره الاهتمام اللازم. فمدى السنوات الماضية، اقتصر مفهوم العامة والخاصة لمكافحة الإرهاب على مواجهة التنظيمات المسلحة عسكرياً، وتم تجاهل أشكال أخرى لا تقل عنها خطورة: الإرهاب الاقتصادي والمجتمعي والسياسي، وهذه أنماط من الإرهاب مورست بشكل ممنهج، وساهمت في زعزعة الاستقرار الداخلي، وإضعاف بنية المجتمع والدولة.
مع سقوط النظام السابق، اعتقد سوريون كثيرون أنهم تخلصوا من هذه الأنماط من الإرهاب، لكن الواقع الحالي يشير إلى تصاعد حدتها بصورة غير مسبوقة. فالإرهاب المجتمعي يتجلى في تعميق الانقسامات الاجتماعية، وتعزيز خطاب الكراهية، وتقويض الثقة بين مكونات المجتمع، فيما يظهر الإرهاب السياسي جلياً في الإقصاء، وتعطيل المشاركة السياسية، وغياب العدالة الانتقالية، وهذا يعوق بناء دولة مستقرة قائمة على القانون والمؤسسات.
وإذ نرى الحال في سوريا قد تطورت، والبلاد خطت خطواتها الأولى في رحلة التعافي الطويلة، لا يمكننا إلا التنبّه إلى ارتفاع في منسوب الإرهاب الاقتصادي والمجتمعي والسياسي، فثمة عودة - ولو خجولة - الى سيناريو احتكار مجموعة ضيقة قريبة من دوائر السلطة مفاصل الاقتصاد الوطني، ما ينذر بإحياء منظومة الفساد التي ثار السوريون عليها في الأصل، ويعمّق الفجوة بين الدولة والمجتمع. ويعد الإرهاب الاقتصادي أحد أخطر التحديات التي تواجهها سوريا الجديدة، إذ يشكل ركيزة أساسية لعدم الاستقرار. فالاقتصاد المنهك، وارتفاع معدلات الفقر والبطالة، وتدهور العملة، وغياب فرص التنمية، كلها عوامل تُستخدم أدوات ضغط وعقاب جماعي، وتؤدي إلى إنهاك المجتمع ودفعه نحو مزيد من الهشاشة. ولا يقل أثر الفساد، واحتكار الموارد، وغياب السياسات الاقتصادية العادلة تدميراً في بنى المجتمع السوري عن العمليات العسكرية، لأنها تضرب أسس العيش الكريم، وتفتح المجال أمام التطرف والعنف.

يُمارس الإرهاب المجتمعي في سوريا بتحريض منهجي لفئة ضد أخرى، أو لمجموعة ضد أخرى، على أسس طائفية أو مذهبية أو سياسية، بما يؤدي إلى تفكيك النسيج الاجتماعي، وتعزيز الانقسامات، وخلق حال من العداء الداخلي المستدام. وهذا الإرهاب لا يقل خطورة عن العنف المسلح، لأنه يضرب أسس التعايش والسلم الأهلي من الداخل.
أما الإرهاب السياسي، فالخشية أن يُعاد إنتاجه بأساليب مشابهة للتي مارسها النظام السابق: احتكار دائرة محدودة من الأشخاص القريبين من صناع القرار مفاصل السلطة، وإقصاء باقي المكونات السياسية والمجتمعية أو تهميشها بحرمانها من أي مشاركة فاعلة في صنع القرار. ويُساهم هذا النهج في تكريس الظلم البنيوي، وفي تفضيل مكونات على أخرى، ما يولد شعوراً واسعاً بالغبن. خطاب السلطة في دمشق يصر على التمسك بوحدة الشعب السوري، لكن التغاضي عن استمرار هذه السياسات يشكل بيئة خصبة لإعادة تشكل الأفكار المتطرفة والإرهابية، فغياب العدالة، واحتكار السلطة والثروة، وتفكيك المجتمع، عوامل تدفع قطاعات واسعة نحو اليأس والراديكالية.
ما عادت مسألة مكافحة الإرهاب اليوم عسكريةً بحتة، إنما ترتبط مباشرةً بتحقيق الاستقرار الشامل في البلاد. فمواجهة الإرهاب تتطلب محاربة جميع أشكاله الداخلية، والالتفات الجاد إلى المشكلات البنيوية السياسية والاقتصادية والمجتمعية التي تشكل بيئة حاضنة له.
تبرز في المرحلة الراهنة ثلاث قضايا محورية لتحقيق الاستقرار الداخلي في سوريا على المستويات المجتمعية والاقتصادية والسياسية والعسكرية، وتشكل مجتمعةً أساساً لأي عملية انتقالية قابلة للاستمرار. وتأتي قضية التوافق الداخلي في مقدّم هذه الأولويات، باعتبارها الركيزة الأشد حساسية والأكثر تأثيراً في إعادة بناء الدولة والمجتمع. فعلى رغم أن السلطات الانتقالية في دمشق حققت في الفترة الماضية تقدماً ملحوظاً في مسار العلاقات الخارجية، سواء بكسر بعض العزلة السياسية أو بناء تفاهمات مع أطراف إقليمية ودولية، فإن هذا المسار يبقى غير كافٍ ما لم يتوازَ مع عملية موازية تعالج الإشكاليات الداخلية العميقة. فالداخل السوري يعاني بعدُ من انقسامات سياسية واجتماعية حادة، ومن غياب إطار وطني جامع، قادر على استيعاب التعددية السياسية والمجتمعية.
لقد أثبت الرهان المفرط على الخارج، بصفته مدخلاً للاستقرار أو مصدراً للشرعية، محدوديته في التجربة السورية، إذ لم يخفّف حدة الأزمات الداخلية، ولم تبنِ عقداً اجتماعياً جديداً، بل على العكس، فإن أي تسوية أو استقرار مستدام لا يمكن أن يتحققا إلا بإعادة توجيه البوصلة نحو الداخل من خلال إطلاق حوار وطني شامل، وعقد توافقات حقيقية بين القوى الاجتماعية والسياسية الفاعلة في البلاد، ومعالجة مظالم الداخل بصفتها أولوية لا يمكن تأجيلها.
وعليه، يقتضي الانتقال من منطق إدارة الأزمة إلى منطق بناء الدولة إعادة تعريف الأولويات، ليكون التوافق الداخلي الأساس الذي تُبنى عليه السياسات الاقتصادية، والترتيبات الأمنية، والعلاقات الخارجية، لا نتيجة لاحقة لها. من دون ذلك، يبقى أي استقرار هشّاً قابلاً للانهيار في أول اختبار داخلي أو إقليمي.

تتصل القضية الثانية اتصالاً وثيقاً بالقضية الأولى، وتتمثل في ضرورة بناء اقتصاد وطني محلي قوي، فذلك شرط أساسي لتحقيق الاستقرار الداخلي والسيادة الفعلية. فلا سوريا الجديدة، ولا سوريا الساعية إلى النهوض، قادرة على الاستمرار في الاعتماد على المنح الخارجية أو الدعم المشروط من دول ثالثة لتأمين رواتب الموظفين أو تمويل القوى الأمنية، ولا البقاء رهينة استيراد الطاقة والكهرباء كحل دائم. فهذا الاعتماد يعمّق الهشاشة البنيوية للدولة، ويقوّض قدرتها على اتخاذ قرارات مستقلة. ما عاد التعافي الاقتصادي السريع خياراً مؤجلاً، إنما هو ضرورة سياسية واجتماعية وأمنية ملحّة. فغياب الاقتصاد المنتج ينعكس مباشرة على السلم الأهلي، ويغذي اقتصاد الظل، ويزيد من قابلية المجتمع للاختراق والضغط الخارجي. ومن هنا، يبرز خطر ما يمكن تسميته "الإرهاب الاقتصادي"، سواء بالعقوبات أو الاحتكار أو التحكم بمفاصل السوق والموارد الحيوية، بما يؤدي إلى خنق الاقتصاد الوطني، ومنع تشكّل قاعدة إنتاجية مستقلة.
كما أن أي مشروع اقتصادي لا يقوم على الشفافية والعدالة وتكافؤ الفرص يبقى قاصراً عن تحقيق الاستقرار المنشود، إذ لا يمكن الاقتصاد الوطني أن يكون حكراً على السلطة أو على دائرة ضيقة من القريبين من السلطة، فالمطلوب اقتصاد تشاركي يفتح المجال أمام القطاع الخاص الوطني، والمبادرات المحلية، ورأس المال السوري في الداخل والخارج، ضمن إطار قانوني واضح ومؤسساتي. وتؤكد تجارب الدول الخارجة من النزاعات أن الاقتصاد هو المدخل الأساسي لإعادة بناء الدولة وبنية المجتمع معاً، وتبدأ إعادة الإعمار، وخلق فرص العمل، واستعادة الثقة بين الدولة والمواطن، من الاقتصاد ولا تكتمل من دونه. وعليه، ليس بناء اقتصاد وطني قوي مسألةً تقنية أو مالية، إنما هو خيار سياسي استراتيجي يرسم ملامح سوريا المستقبل، ويحدد شكل العقد الاجتماعي الجديد بين الدولة والمجتمع.
أما القضية الثالثة فمحورها الاندماج بين الحكومة السورية الموقتة و"قوات سوريا الديموقراطية" (قسد)، بصفته أحد الحلول الواقعية والفاعلة في إطار مكافحة الإرهاب وتعزيز الاستقرار. على هذا الاندماج أن يتجاوز تقاسم السلطة أو تحديد مناطق النفوذ ليصوغ مشروعاً وطنياً شاملاً لمكافحة الإرهاب بشتى أشكاله - العسكري والسياسي والاقتصادي والمجتمعي - وأن يقوم على التزام واضح بنبذ خطاب الكراهية ووقف التحريض ضد أي مكون اجتماعي أو سياسي، وضمان التعددية وحماية المواطنة المتساوية، ورفض الإقصاء بكل أشكاله. تشكل هذه اللحظة فرصة تاريخية لإعادة سوريا إلى موقعها الطبيعي دولةً فاعلة بقرار وطني مستقل، يكون فيها السوري الفاعل الأساسي في بناء وطنه، بعيداً من أي وصايات خارجية أو مشاريع جزئية ضيقة. ويتطلب ذلك الابتعاد من الخطابات التعبوية القائمة على الفزعات العشائرية، أو شرعنة العنف على أساس الانتماء الطائفي أو الرأي السياسي، لما لذلك من آثار مدمرة على السلم الأهلي ووحدة المجتمع.
إن نجاح أي مشروع سوري مرهون بالقدرة على تحويل الاندماج السياسي والعسكري إلى مسار شامل لإعادة بناء الدولة والمجتمع، قائم على الحوار والعدالة والمشاركة وسيادة القانون. وفي هذا الإطار، لا يمثل الاندماج غاية بذاتها، إنما هو وسيلة لإرساء استقرار مستدام، وتفكيك البنى المنتجة للإرهاب، وفتح أفق حقيقي لسوريا جامعة لجميع أبنائها، منطلقه نبذ خطاب الكراهية، ووقف التحريض ضد أي مكون اجتماعي أو سياسي، وضمان التعددية، وحماية المواطنة المتساوية، ورفض الإقصاء.
نبض