سوريا بين تجربتَي العراق وأفغانستان... هل بدأ داعش باستهداف دور العبادة؟
طَوَت حلب عام 2025 على وقع تفجير انتحاري تزامن مع الاحتفال برأس السنة الميلادية. التفجير أدى إلى مقتل عنصر من الأمن وإصابة آخرين، فيما قالت وزارة الداخلية السورية إن الهدف لم يكن الدورية الأمنية بل إحدى كنائس منطقة باب الفرج.
وجاءت هذه العملية بعد أشهر من إعلان السلطات السورية المؤقتة عن إحباط محاولات استهداف لمواقع دينية. فمنذ سقوط نظام الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024، أعلنت السلطات الجديدة في يناير/كانون الثاني من العام التالي اعتقال خلية قالت إنها تابعة لتنظيم "داعش” وكانت تخطط لاستهداف مقام السيدة زينب.
وخلال الأشهر اللاحقة، أعلنت السلطات المؤقتة أكثر من مرة عن إحباط عمليات استهداف طالت—بحسب البيانات الرسمية—دور عبادة عمومًا وكنائس على وجه الخصوص. وفي تموز/يوليو 2025 وقع تفجير استهدف كنيسة مار الياس في دمشق، لتعلن وزارة الداخلية لاحقًا اعتقال خلية قالت إنها مسؤولة عن التفجير ومرتبطة بتنظيم "داعش". في المقابل، أعلن تنظيم “أنصار السنة” تبنّيه التفجير، بينما اعتبرت وزارة الداخلية التنظيم أحد أذرع تنظيم “داعش” وليس كيانًا مستقلًا، رغم تأكيد “أنصار السنة” أنه لم يبايع التنظيم.
بعد ذلك، لم تتوافر معطيات علنية تشير إلى محاولات لاحقة لاستهداف دور العبادة. في المقابل، أشار المرصد السوري لحقوق الإنسان في أكثر من مناسبة إلى أن بعض الكنائس بقيت ضمن دائرة الاستهداف.
وفي الشهر الأخير من عام 2025، شهدت مدينة حمص تفجيرًا استهدف جامع وادي الذهب، وهو جامع يقع في منطقة ذات غالبية علوية، كما شهدت حلب محاولة تفجير كنيسة في باب الفرج، انتهت بمقتل عنصر أمني، بحسب المعطيات المتداولة.
وفي بيان صدر عن وزارة الداخلية، الخميس، في أعقاب تفجير حلب، قالت الوزارة إن لديها “معلومات” عن مخطط لاستهداف احتفالات رأس السنة في عدة محافظات، ولا سيما حلب، عبر عمليات انتحارية وهجمات تشمل الكنائس وأماكن التجمعات المدنية، فقالت:
ضمن الجهود المتواصلة في مكافحة الإرهاب، ونتيجة المتابعة الدقيقة لتحركات خلايا تنظيم داعش الإرهابي، وبناءً على التعاون المعلوماتي مع الجهات الشريكة في مكافحة الإرهاب، توافرت معلومات حول نية التنظيم تنفيذ عمليات انتحارية وهجمات تستهدف احتفالات رأس السنة في عدد من المحافظات،
— وزارة الداخلية السورية (@syrianmoi) January 1, 2026
ويُفهم من التوصيف الرسمي أن استهداف الكنيسة يأتي ضمن مخطط شامل يعمل عليه تنظيم داعش لاستهداف الكنائس والتجمعات المدنية، وهو ما يرجّح وجود خطر حقيقي في هذه المرحلة، رغم أن التنظيم لم يتبن اي عملية استهداف خلافاً لبيانات وزارة الداخلية.
وإذا قُرئت هذه الوقائع ضمن تسلسل زمني واحد، يبرز عامل رئيسي يتجاوز تكرار العنف نفسه، وهو تنوّع الأهداف الدينية وتزامنه ضمن فترة قصيرة نسبيًا. فالمسألة لا تتعلق بموقع واحد أو جماعة واحدة، بقدر ما تتعلق بكون الهدف مكان عبادة بوصفه مساحة ذات حمولة رمزية واجتماعية يصعب حصر أثر استهدافها في البعد الأمني وحده.
لفهم هذا النمط، يصبح من المفيد استحضار تجربتين سابقتين بوصفهما مفاتيح قراءة لا نماذج جاهزة للاستنساخ. في العراق عام 2010، مثّل استهداف الكنائس ورجال الدين المسيحيين تحولًا في نمط العنف، إذ تجاوزت العمليات هدف الإيقاع المباشر بالخسائر إلى توجيه رسالة مرتبطة بالوجود المسيحي ومكانته في الفضاء العام. الهجوم على كنيسة سيدة النجاة في بغداد لم يُقرأ حينها كحادثة معزولة، بل كجزء من مسار تراكمت آثاره لاحقًا على مستوى الهجرة وتقلّص الحضور المسيحي.
أما في أفغانستان بعد سيطرة طالبان على الحكم، فقد اتجه تنظيم "داعش" إلى تكتيك مختلف في الشكل، متقاطع في الجوهر، يقوم على ضرب المجتمع عبر أهداف دينية بما يخدم إحراج السلطة الجديدة، وتوسيع التوترات الطائفية، والطعن في قدرة الحكم الناشئ على توفير الأمن، من دون أن تكون الغاية بالضرورة مواجهة عسكرية تقليدية.
إسقاط هذه المقاربات على الحالة السورية، رغم نقاط التشابه بين الواقعين السوري والأفغاني، لا يعني الجزم بأن المشهد يسير على المسار نفسه، لكنه يسلّط الضوء على فكرة أساسية: في المراحل الانتقالية الهشّة، قد تتحول دور العبادة إلى أهداف عالية الأثر لأنها تفتح الباب أمام استقطاب اجتماعي سريع، وتضع السلطة أمام اختبار مزدوج، أمني ومجتمعي في آن واحد.
وتزداد حساسية الاستنتاج عند مقارنة طبيعة التنفيذ كما وردت في الروايات الرسمية. فوفقًا لما أُعلن، جرى استهداف الكنيستين عبر عمليات انتحارية مباشرة، بينما وُصف تفجير جامع وادي الذهب بأنه بعبوة ناسفة. هذا التباين لا يصنع دليلًا قاطعًا بمفرده، لكنه ينسجم مع ما هو معروف عن توظيف العمليات الانتحارية كأداة تُستخدم لإرسال رسائل أشد مباشرة وحمولة رمزية أعلى، مع الإبقاء على هذه الفوارق ضمن إطار المؤشرات لا الاستنتاجات النهائية.
خلاصة الأمر أن ما يبرز هنا ليس حادثة منفردة بقدر ما هو احتمال تشكّل مسار يحاول نقل التوتر من المجال الأمني إلى المجال الديني–الاجتماعي. وفي سوريا ما بعد 2025، يبقى هذا المسار اختبارًا عالي الكلفة، ليس فقط للسلطة وأجهزتها، بل للمجتمع وقدرته على تفادي تحويل الرموز الدينية إلى ساحات صراع مفتوح.
نبض