عمال التوصيل في مصر ضحية الطرق الخطرة... و"ربك يسترها"
في نهاية تشرين الاول/ أكتوبر الماضي، كان عبد الله محمد (20 عاماً) يقود دراجته الهوائية بين السيارات في منطقة شبرا بالقاهرة، ساعياً لتوصيل الطلب الذي يحمله في أسرع وقت. وفي لحظة خاطفة، انزلقت قدماه واضطرب توازنه، ليسقط أمام حافلة مسرعة لم يتمكن سائقها من التوقف، ليلقى الشاب الصغير حتفه إثر الحادث المأسوي.
تتكرر هذه الحوادث الأليمة بشكلٍ مقلق، وآخرها واقعة دهس عامل دليفري قبل أيام في حي الشيخ زايد بالقاهرة، فما يكاد يمر شهر حتى نسمع عن حادثة جديدة، يذهب ضحيتها أحد عمال التوصيل الذين يجوبون الشوارع ليل نهار، بحثًا عن لقمة العيش في ظل الضغوط الاقتصادية غير المسبوقة التي تشهدها البلاد.
الشاب المصري أحمد علام (27 عاماً) أحد عمال التوصيل ممن يستخدمون الدراجات الهوائية الخفيفة، لديه قصة طويلة مع العمل المضني لمدة 14 ساعة يومياً، فيقول لـ"النهار" إنه يعمل في الوردية الصباحية في متجر كبير، حيث يتوقف دوره على تجهيز البضائع لعامل التوصل، وفي المساء تتبدل الأدوار فيصبح هو عامل التوصيل.
يعمل علام مع إحدى أكبر شركات التوصيل في مصر، التي تتيح لعمال التوصيل التسجيل لديها للعمل بالدراجات الهوائية، أو النارية، الفارق أن تسعيرة التوصيل الواحدة تنخفض في حالة الدراجة الهوائية حيث تبدأ من 15 جنيهاً وتصل إلى 23 جنيهاً وفي نطاق لا يزيد عن 3 كيلومراً، أما في حالة الدراجة النارية، فقد تصل تسعيرة التوصيلة إلى 37 جنيهاً.
عامل توصيل يقود دراجته النارية بين سيارات في احد الشوارع المصرية
يشير الشاب المصري إلى أن شركات التوصيل لا تشترط أي معايير في الدراجات النارية أو الهوائية التي يتقدم بها عمال التوصيل، ناهيك عن عدم الالتزام بتوفير الخوذات، أو أي وسائل حماية أخرى. ولدى سؤاله عن المخاطر التي تتهدده عند التعرض للطرق الخطرة مثل صعود كوبري، يقول أحمد علام: "ربك يسترها".
حوادث متكررة "بسبب الاهمال"
هذا الهاجس المقلق بات يثير مخاوف مصريين كثيرين، ليس فقط من يعملون في تلك الوظائف. وتروي المواطنة المصرية نوران نور شهادتها لـ"النهار" عن حوادث مُتكررة يتعرض لها شباب من العاملين في مجال توصيل الطلبات، "نتيجة إهمال تطبيقات التوصيل وعدم توفيرها لأدنى معايير السلامة والأمان لهؤلاء الشباب"، على حد وصفها.
تقول: "أتذكر في إحدى المرات، تأخر وصول طلبي لأكثر من ساعة. وعندما وصلني أخيراً وجدت عامل التوصيل ينزف من أنفه نتيجة تعرضه لحادث أثناء قدومه لتوصيل الطلب، دون أن يعرف أحدٌ شيئًا عن تفاصيل الحادث أو تُقدم له المُساعدة".
وفي واقعة أخرى، تقول إنها شاهدت حادثاً مُروعاً لشابٍّ من عمال التوصيل على الطريق المؤدية إلى ضاحية المعادي، حيث كانت دراجته الهوائية ملقاة على جانب الطريق، فيما تجمع زملائه حوله في حالة من الذهول، لا يعرفون كيف يتصرفون.
وعن قواعد السلامة تتساءل نور: "ألا يفترض أن يكون توصيل الطلبات باستخدام الدراجات النارية أكثر أمانًا؟ مع أنني كنتُ أتحفظ على استخدام الدراجات النارية في الأساس لعدم كفاية أمانها، إلا أن الوضع الآن أصبح أسوأ بكثير، حيث أن مُعظم شركات التوصيل تعتمد على دراجات هوائية تسير وسط السيارات وعلى الطرق السريعة!". "كنا نتحدث سابقاً عن أهمية ارتداء الخوذة أثناء القيادة، لكن هذا الحديث أصبح الآن بعيد المنال. فكيف يُمكن الحديث عن الخوذة مع هذا الكم الهائل من المخاطر التي تُحيط بعمال التوصيل من كل جانب؟".

حادث دراجة نارية
وتتابع: "الأمر لا يتوقف عند هذا الحد، فنظراً لعدم مُلاءمة الدراجات الهوائية الخفيفة لتركيب صندوق حفظ الطعام الذي كان يُثبت على الدراجات النارية، يُجبر عمال التوصيل الآن على حمل هذا الصندوق على ظهورهم كحقيبة ثقيلة، مما يُزيد من مُعاناتهم ويُؤثر على توازنهم وصحتهم وسلامتهم. هذا الشاب الذي يقود الدراجة ويُوصل لنا الطعام، يتحمل عبئاً إضافياً على كتفيه يُهدد سلامته".
آلاف الضحايا على الطرق في مصر
تُظهر البيانات الرسمية أن حوادث الطرق في مصر أودت بحياة 6088 شخصًا عام 2021، مع ارتفاع نسبة الوفيات بين الذكور الى 78 بالمئة في مقابل 22 بالمئة من الإناث. وتوزعت الوفيات على مختلف مستخدمي الطريق، حيث شكل ركاب المركبات ذات الأربع عجلات النسبة الأكبر 39 بالمئة، يليهم المشاة 35 بالمئة، ثم المركبات ذات العجلتين أو الثلاث 14 بالمئة، والدراجات الهوائية 2 بالمئة.
رسم بياني من إنتاج "النهار" يوضح نسبة الوفيات بين الرجال والنساء في حوادث الطرق
في المقابل، يقدر التقرير العالمي للسلامة على الطرق، التي تصدره منظمة الصحة العالمية، عدد الوفيات الفعلي بحوالي 8963، مما يشير إلى وجود نقص في الإبلاغ عن الوفيات. تُعد هذه الأرقام مقلقة، بخاصة مع وجود قوانين شاملة لضمان الوصول إلى الرعاية الطبية وإعادة التأهيل بعد الحوادث.
في سياق متصل، يقول شهاب أبوزيد، مدير السياسات والشراكات في مؤسسة "ندى من أجل طرق مصرية آمنة"، في تصريح لـ "النهار"، إن آخر نسختين من التقرير العالمي للسلامة على الطرق قد أولتا اهتماماً خاصاً فئة "مستخدمي الطريق الأكثر عرضة للخطر". وتضمّ هذه الفئة جميع من هم خارج المركبات، مثل راكبي الدراجات النارية والهوائية والمشاة. وقد بلغت نسبة الضحايا من هذه الفئة على مستوى العالم حوالي 50%.
وفي ما يتعلق بالحوادث المتعلقة بعمال التوصيل في مصر، يشير أبو زيد إلى أن البعض قد يلوم الضحايا ويرجع هذه الحوادث إلى تهور عمال التسويق أثناء القيادة، لكن في واقع الأمر هذا تفسير يشبه قمة الجليد، حيث تختبىء تحت السطح أسباب عديدة تسهم في وقع مثل هذه الحوادث.
يوضح أبوزيد أن عمال التوصيل يعملون في بيئة صعبة وغير مستقرة، فهم يفتقرون إلى الأجر الثابت ويعتمدون بشكل أساسي على الإكراميات، كما يعانون من غياب الضمان الاجتماعي والتأمين الصحي الذي يغطي تكاليف العلاج في حالة وقوع الحوادث. هذا الوضع يدفعهم إلى العمل لساعات طويلة وبذل جهد أكبر لتأمين احتياجاتهم الأساسية، مما يزيد من تعرّضهم للمخاطر على الطرق.
يرى شهاب أبو زيد أن سلامة الطرق تتطلب تبني سياسات وقوانين ولوائح، بالإضافة إلى فرض رقابة على الطرق لتأمين سلامة مستخدميها. وتتعدد الهيئات المشرفة على الطرق في مصر، منها الإدارة العامة للمرور، صاحبة الصلاحية الأكبر، بالإضافة هيئة الطرق والكباري، وهيئة الإسعاف، وتتوزع المسؤوليات بين الجميع.
ويوضح الخبير المصري أت "من المعضلات في هذه المسألة غياب جهة واحدة تفرض الرقابة على الطرق. لذا نطالب منذ فترة بتفعيل دور الهيئة العامة للسلامة على الطرق، وهي موجودة بالفعل في مصر ولكنها معطلة، حيث كان اجتماعها الأخير عام 2020".
تتمتع مصر بشبكة طرق مُعبّدة واسعة النطاق، بطول 13734 كيلومتراً، لكنها تحتاج إلى تحديثات فنية لضمان سلامة جميع مستخدميها. ويشير أبو زيد إلى أنه بالرغم من التطوير الكبير الذي شهدته شبكة الطرق، إلا أن هذا التطوير - بدافع اقتصادي - أعطى الأولوية أصحاب المركبات الثقيلة والخاصة، في حين أغفل مستخدمي الطريق الآخرين، مثل المشاة وراكبي الدراجات. ويتجلى ذلك في غياب مسارات مخصصة للدراجات وأرصفة آمنة للمارة، مما يؤدي إلى زيادة نسبة الوفيات في هذه الفئة.
رسم بياني من إنتاج "النهار" يوضح ارتفاع عدد الوفيات بين المشاة وراكبي الدراجات
ويشدد على ان من بين العوامل التي يمكنها الحدّ من حوادث عمال التوصيل وبقية الفئات المعرضة لخطر الحوادث، تحديد سرعة المركبات بـ 30 كلم/س في المناطق التي يختلط فيها سير المركبات مع المشاة وراكبي الدراجات. ويشير إلى وجود دراسات تؤكد أن خفض السرعة في هذه الحالة يقلل احتمالية الوفاة بنسبة 80%.
كذلك يلفت إلى دور غياب ثقافة الحماية الشخصية، مثل ارتداء الخوذة، لأسباب اقتصادية واجتماعية، لكنه لا يعتبرها السبب الرئيسي في الحوادث. ويدعو الحكومة المصرية إلى الاستفادة من تجربة دولة مثل كولومبيا في تطبيق معايير السلامة على الطرق، كونها دولة قريبة من مصر ديموغرافياً.
وفي ما يتعلق بالمردود الإيجابي لتطبيق المعايير الدولية في الطرق على عمال التوصيل، يستشهد أبو زيد بتجربة إنشاء مسارات للدراجات في منطقة وسط البلد، والتي أسفرت عن انتعاش خدمة التوصيل باستخدام الدراجات الهوائية في هذه المنطقة، بالإضافة إلى زيادة مستوى الأمان. ويطمح الخبير المصري إلى تعميم هذه التجربة في المستقبل القريب في العديد من المناطق.
مشكلات تواجه الهيئة العامة للسلامة
لدى مصر واحد من أدنى معدلات وفيات حوادث الطرق في القارة السمراء، حيث احتلت عام 2021 المرتبة الثالثة بين الدول الأفريقية بمعدل 9.4 حالة وفاة بين لكل 100,000 من السكان، بحسب بيانات البنك الدولي. ورغم ذلك لا تزال ثمّة مشكلة كبرى في غياب فعالية الهيئة العامة للسلامة على الطرق التي أنشئت عام 2007، وهي الجهة التي أشار إليه أبو زيد.
رسم بياني من إنتاج "النهار" يبين الدول الأفريقية الأقل في معدلات وفيات حوادث الطرق
وفي دراسة أعدها برنامج سياسة النقل في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، كشف النقاب عن التحديات التي تواجه هذه الهيئة المعطلة في مصر، والتي من شأن تفعيلها الحد من حوادث الطرق.
ومن بين أبرز المشكلات التي تواجه الهيئة العامة للسلامة على الطرق وميزانية المجلس تضاؤل ميزانيته (7500 دولار أميركي)، وهي الأقل بين جميع الوكالات الرائدة في مجال سلامة الطرق الـ16 التي شملتها الدراسة في أفريقيا. كذلك، افتقر الهيئة المصرية للكادر البشري، وبشكل عام حصلت على تقييم أقل من المتوسط.
وقدّمت الدراسة بعض التوصيات الهامة لمصر، منها تعزيز التفويض القانوني لوكالات سلامة الطرق، وتحسين هيكلية الحوكمة في هذا المجال، وإشراك الجهات المعنية من خارج الحكومة لتحقيق أهداف السلامة المرورية الوطنية.
كذلك أوصت بتحديث الاستراتيجية الوطنية للسلامة المرورية لتشمل رؤية واضحة وأهدافًا قابلة للتحقيق وخطط عمل مفصلة، بالإضافة إلى تحديد التكلفة الاقتصادية لحوادث الطرق، وتطوير قاعدة بيانات إلكترونية وطنية شاملة، وإنشاء برنامج وطني لبناء القدرات في مجال سلامة الطرق.
وعلى الرغم من وجود قوانين لتنظيم سلامة المركبات، دعت منظمة الصحة العالمية الحكومة المصرية إلى "تبني قوانين جديدة لأنظمة السلامة المُتقدمة، مثل نظام التحكم الإلكتروني بالثبات (ESC) لحماية السائقين من الانزلاق، وتحسين حماية المشاة، وفرض نظام منع انغلاق المكابح (ABS) الذي يمنع انغلاق العجلات تمامًا أثناء الكبح المُفاجئ، مما يُساعد على التحكم في السيارة وتجنب الانزلاق".
ويعتقد الخبراء أن تطبيق المعايير الدولية لسلامة الطرق من شأنه التقليل من حوادث الطرق في مصر، ويُؤمِّن سلامة المشاة وراكبي الدراجات باعتبارهم الفئة الأكثر عُرضةً لمثل هذه الحوادث. أما في ما يتعلق بعمال التوصيل، فقد لا يكون تأمين سلامة الطرق كافياً وحده، بل إن توفير بيئة عمل آمنة تُحافظ على سلامتهم النفسية والجسدية هو الأساس في هذه القضية المُلحة.
نبض