مظلوم عبدي... من القتال والقيادة إلى أروقة السياسة السورية
مظلوم عبدي الذي أعلن الرئيس السوري أحمد الشرع الجمعة تعيينه مستشاراً رئاسياً، مقاتل كردي شجاع قاد قوات سوريا الديموقراطية في معاركها ضد تنظيم "داعش" خلال سنوات النزاع، ليجد نفسه بعد إطاحة الحكم السابق مضطراً إلى خلع بزته العسكرية والانتقال إلى رحاب العمل السياسي.
أدناه سيرة مقتضبة عن عبدي الذي شكّل الوجه العسكري الأبرز للأقلية الكردية في سوريا والتي حقّقت إنجازات عسكرية إثر اندلاع الحرب عام 2011 وطمحت بتكريس حكم ذاتي.
مقاتل مخضرم
منذ العام 1990، تاريخ انضمامه إلى حزب العمال الكردستاني حتى إعلانه الثلاثاء حلّ قوات سوريا الديموقراطية التي قادها لأكثر من عقد، راكم عبدي نفوذاً داخل الأقلية الكردية ونسج علاقات مع دول غربية عدّة أبرزها الولايات المتحدة التي شكّلت داعماً رئيسياً لقواته.
خلال سنوات النزاع، غالباً ما ظهر عبدي المولود عام 1967 في منطقة كوباني في أقصى محافظة حلب (شمال)، مرتدياً زيّه العسكري، متّسماً بتواضع ونبرة هادئة لم تبدّلها الظروف. وكان يبدو أكثر ارتياحاً في التحدّث بالكردية، لغته الأم، منها بالعربية.
وبعدما حظي بدعم دولي وشكّل شريكاً رئيسياً للتحالف الدولي بقيادة واشنطن خلال قيادته المعارك ضد تنظيم "داعش" حتى دحره من آخر نقاط سيطرته عام 2019، وجد عبدي نفسه بعد إطاحة الحكم السابق أواخر 2024، مضطراً تباعاً لتقديم تنازلات لمصلحة السلطة الجديدة، منهياً بذلك حلم الأكراد بتكريس حكم ذاتي.
وخاض مفاوضات شاقة تحت النار أحياناً مع سلطات الشرع، وصولاً إلى توقيع اتّفاق مطلع العام نصّ على دمج مؤسسات الإدارة الكردية المدنية والعسكرية في إطار الدولة السورية.

بعد اندلاع الاحتجاجات المناوئة للحكم السابق عام 2011، كان عبدي ضمن "مقاتلين مخضرمين من حزب العمال الكردستاني" ممن أعلنوا تأسيس وحدات حماية الشعب الكردي في سوريا، وفق ما يشرح الباحث في الشأن السوري لدى مجموعة الأزمات الدولية نانار هواش.
وتصدّر عبدي المشهد خلال معركة مدينة كوباني (عين العرب) ذات الغالبية الكردية، بعدما خاض مع المقاتلين الأكراد لأربعة أشهر عام 2015 معارك ضارية ضد تنظيم "داعش"، انتهت بدحر الأخير، لتتحوّل المدينة رمزاً لانتصار الأكراد على التنظيم المتطرف.
"براغماتية" سياسية
في العام ذاته، تولّى عبدي قيادة قوات سوريا الديموقراطية التي تأسّست بدعم وتوجيه من التحالف الدولي وضمّت مقاتلين عرب إلى جانب المقاتلين الأكراد.
وشكّلت في السنوات التالية رأس حربة في مواجهة التنظيم، وسيطرت على مناطق واسعة في شمال وشرق البلاد.
ونجح خلال السنوات الماضية في الحفاظ على توازن دقيق في علاقاته. فأبقى على صلاته الوثيقة مع واشنطن، حليفة أنقرة، وتعامل بحذر مع سلطات الأسد التي لطالما حملت عليه ما وصفته بـ"النزعة الانفصالية" ومع حليفتها روسيا، بينما كانت قوّاته تواجه هجمات تركية متتالية بين عامي 2016 و2019.
وبعد إطاحة حكم الأسد، سارع عبدي إلى إبداء انفتاح تجاه السلطة الجديدة ثم خاض مفاوضات معها، انطلاقاً من واقعيته في مقاربة تغيّر موازين القوى وفي ظل الدعم الغربي السريع للشرع، لاسيما من واشنطن.
لكن مسيرة عبدي العسكرية لم تبدأ فعلياً بعد اندلاع النزاع.
عام 1990، انضم عبدي الذي كان بدأ دراسة الهندسة في حلب، إلى حزب العمال الكردستاني الذي تصنّفه تركيا وحلفاؤها الغربيون "منظّمة إرهابية" وخاض لعقود تمرّداً دامياً ضدّها على أراضيها، قبل أن يعلن العام الماضي حلّ نفسه وإلقاء السلاح.
وشارك عبدي الذي كان يُعرف بقربه من مؤسس الحزب وزعيمه عبدالله أوجلان، في بعض تلك المواجهات داخل تركيا، ما عرّضه للاعتقال بعد عودته إلى سوريا خلال عهد حافظ الأسد. وفي أواخر التسعينات، توّجه إلى أوروبا ثم إلى العراق، حيث احتفظ حزب العمال الكردستاني طويلاً بقاعدة خلفية له في شمال البلاد.
وتدرج تركيا عبدي في قائمة "الإرهابيين"، وقد رصدت مكافأة مالية لمن يدلي بمعلومات تقود إلى توقيفه، فيما أصدرت الشرطة الدولية (الإنتربول) نشرة حمراء بحقّه.
وفي العام 2023، طال قصف نُسب إلى تركيا مطار السليمانية في إقليم كردستان العراق بينما كان موجوداً فيه.
ومع تعيينه الجمعة مستشاراً رئاسياً، يبدأ عبدي حقبة جديدة في مسيرته السياسية، يأمل معها أكراد سوريا بأن يؤدّوا دوراً في بناء سوريا الجديدة.
ويقول أحد المقرّبين من عبدي، طلب عدم كشف هويته، لـ"فرانس برس"، إنّه "یجمع بین المرونة السیاسیة والبراغماتیة لتحقیق الأهداف والحقوق المشروعة لقضیة شعبه".
ويضيف "هو من القادة الذين يبحثون عن الممكن الذي یمكن البناء علیه مستقبلاً".
نبض